الحروب الأميركية تحركها المصالح

أصبحت معارضة الإبادات البشرية نوعاً من أنواع الصناعات الصغيرة في الولايات المتحدة إذ بدأت تظهر في جامعات الولايات المتحدة برامج “ لدراسة الإبادة “ حيث أنشئت “ مجموعة عمل حول الإبادة “ تقودها وزيرة الخارجية السابقة مادلين أولبرايت ووزير الدفاع السابق ويليام كوهن .

ففي كتاب (مشكلة من الجحيم) لـ سامانثا باور (مستشارة في البيت الأبيض) تطرح فكرة كيف تتدخل الولايات المتحدة متأخرة جداً “ لإيقاف عمليات الإبادة “ . لماذا التزمت الحكومة الأمريكية بحماس في حرب ضد “ الإبادة“؟‏

السبب واضح منذ أن أصبح الهولوكوست المرجع التاريخي الأكثر حضوراً في المجتمعات الغربية ، أصبحت “ الإبادة “ اكبر كارثة تصيب العالم ، إذ أصبحت تعتبر أسوأ من الحرب بحد ذاتها . ومن خلال هذا المنطلق أصبحت ذات فائدة كبيرة بالنسبة للمجموعة العسكرية الصناعية الأمريكية ، إذ بهذا الشكل يبرر الاستراتيجيون الأمريكيون تدخلاتهم العسكرية في كل بقعة من الأرض . واستحوذت “الإبادة “ باعتبارها رهاناً إنسانياً أساسياً في العالم المعاصر فكر الحكومة الأمريكية ، حيث قلبت الحكم النهائي الذي أقرته محكمة نيرامبيرغ : “ شن حرب عدوانية لا تشكل جريمة دولية فقط ، إنما تشكل الجريمة الدولية العظمى ، ولا تختلف شيئاً عن جرائم الحرب إلا من ناحية أنها تحمل كل الشر في ثناياها “ .‏

لننسَ كل هذه الأمور ، لقد تحولت الحرب إلى عمل فروسي يسعى ل “ إبادة “ شعوب بأكملها . بنفس الوقت ، تحولت السيادات الوطنية التي تعمل كسياج يحمي أرضها من اجتياح الدول العظمى واعتداءاتها إلى حماية ضعيفة من القادة الأشرار التي تفتك حتى بشعوبها . تشكل هذه التركيبة الايديولوجية الأساس للمذهب الذي تنادي به الدول الغربية والذي تفرضه على الأمم المتحدة بشكل أو بآخر على أنه “ مسؤولية الحماية “ حيث أن المصطلح الإنكليزي R2Pيعني “ الحق والمسؤولية “ لحماية الشعوب من حكوماتهم . وعملياً هذا الأمر يمنح القوى العظمى حق التدخل العسكري في شؤون الدول الأضعف بحجة دعم أي مجموعة متمردة حسب خيارها . كما تفيد R2P عموماً لدفع الرأي العام لقبول تدخل الولايات المتحدة وحلف الناتو في باقي الدول ، لكن هذا لا يعني السماح للروس والصينيين بالتدخل مثلاً لمنع ضرب الخادمات في العربية السعودية ، والسماح للكوبيين بإغلاق القاعدة البحرية الأمريكية في غوانتانامو أو وضع حد لانتهاكات الولايات المتحدة لحقوق الإنسان … على الأراضي الكوبية .‏

مثال نموذجي لهذه الحملة ، مديرة برامج “عالم دون إبادة “ نشرت مقالة تعزو عدم حدوث “ الإبادة “ والحروب إلى عوائق السيادة الوطنية ، وعدم حدوثها أمراً جيداً باعتباره تقدماً إنسانياً .‏

“منذ أكثر من 350 سنة ، سيطر مفهوم “ السيادة الوطنية “ على مفهوم “ السيادة الفردية “ . في الواقع استفادت الحكومات من حصانة ضد أي تدخل خارجي ونحن نبالغ حين نسمي كل مجزرة “ إبادة “ كما أنه أمر خاطئ نسبها إلى احترام السيادة الوطنية .‏

في الواقع ، أعلن هتلر بدء الحرب العالمية الثانية منتهكاً السيادة الوطنية لتشكوسلوفاكيا وبولونيا ليضع حداً حسب قوله لانتهاك حقوق الذين أصولهم المانية ، وذلك لتبرير سلوكه ، فاعتمدت الأمم المتحدة على مبدأ احترام السيادة الوطنية لإبطال هذه الحجة وحماية الأجيال القادمة من الحروب . بالتأكيد ، من غير الممكن أن تتخلى الولايات المتحدة عن سيادتها الوطنية ، فيما جميع الدول مدعوة للتنازل عن سياداتها الوطنية للولايات المتحدة لكن ينبغي ألا ننسى أن أسوأ المجازر في كمبوديا ، رواندا ، والهولوكوست جرت أثناء الحروب أو كنتيجة للحروب .‏

تم سلب عائلات أمريكية من أصول يابانية حقوق ملكيتها خلال الحرب العالمية الثانية وسُرقت واضطرت للإقامة في المخيمات . أما في رواندا فقد جاءت عمليات القتل الرهيبة رداً على غزو قوات قبائل التاتسي من أوغندا وقتل رئيس البلاد ، فالإطار كان عبارة عن غزو وحرب أهلية . والمجازر في كمبوديا لا تعزى إلى تجاوزات في “ السيادة الوطنية “ ، في الواقع هي نتيجة مباشرة لانتهاك الولايات المتحدة لسيادة كمبوديا الوطنية ، وهكذا شهدت البلاد سنوات من القصف العشوائي من الحملات الكمبودية ، وتبع تلك المشاكل سقوط الحكومة بترتيب من الولايات المتحدة التي فتحت الطريق أمام الخمير الحمر لاستلام الحكم الذين عبروا عن حقدهم أمام اتلاف الأراضي الزراعية ثم التفتوا إلى الشعب باعتباره متواطئاً مع العدو ، واستمرت مذابح الخمير الحمر بعد خسارة الولايات المتحدة أمام فيتنام .‏

لم تدون بعض الأحداث “الدامية “ على قائمة “ الإبادات “ كمقتل السيدة كينيدي ، كذلك مذبحة النصف مليون من أعضاء الحزب الشيوعي الاندونيسي في عامي 1965 و1966 لأن الديكتاتور المسؤول سوهارتو كان “ صديقاً للولايات المتحدة “ والضحايا كانوا شيوعيين .‏

لكننا أكيدون أننا سنجد البوسنة على قائمة كهذه لاسيما منذ أن حكمت محكمة الجزاء الدولية المرتبطة بحلف الناتو على مجزرة عام 1995 على أنها كانت “ إبادة “ بهذه الحالة وصل عدد الضحايا إلى 8000 ضحية جميعهم شباب. هذا ولم تركز وسائل الإعلام على شهادات قادة سريبرينيكا. إلا أن إيزيتبيغوفيتش كان زعيم حزب يبحث عن مساعدة عسكرية من الخارج ليتمكن من أعدائه ، والعالم لا ينقصه قادة عرقيين يستدعون الغرب لتخريب بلدانهم. شهد العديد من قوات حفظ النظام السابقين في الأمم المتحدة واقع أن القوات في البوسنة كانت تقود السفلة إلى “ قصف الأسواق “ على مدنيي سراييفو لتتمكن من إلقاء التهمة على أعدائهم الصرب و للحصول على الدعم الدولي .‏

من أهم مخاطر مذهب R2P أنه يشجع الزمر المتمردة بإثارة القمع أو ادعاء الاضطهاد وذلك فقط كي تستدعي التدخل المسلح الخارجي لصالحها . تسعى الولايات المتحدة من خلال التشكيل الوطني للديمقراطية ( NED ) ، وتنفق ملايين الدولارات لتجرّ مواطني العالم إلى تقنيات الاحتجاج ( مقاومة لا عنف ) . بالتأكيد مناوئو القذافي بالغوا في تهديده لهم لإثارة حرب الناتو على ليبيا عام 2011 التي قادتها فرنسا . والحرب في مالي هي نتيجة سقوط القذافي المفاجئ الذي كان يشكل عامل استقرار واسعاً في المنطقة .لم تكن التدخلات الأمريكية يوماً لحماية الشعوب .‏

رغم القوة العسكرية التي تتمتع بها الولايات المتحدة إلا أنها تظل عاجزة عن إعادة قولبة العالم على ذوقها ، فقد فشلت في العراق وأفغانستان ، فيما بدت الحرب في كوسوفو عام 1999 ناجحة ، لكن باستثناء تجاهل ما يجري في هذا الإقليم وسلخها عن صربيا على يد حلف الناتو وتقديمها للزبائن الألبان في واشنطن ، فحين “ نجاحها “ في ليبيا ، برزت الحقيقة سريعاً . هذا وقد نصحنا مشايعي الR2Pبعدم السماح بحدوث هولوكوست جديدة . ففي الواقع ،لم يعد هناك وجود للهولوكوست ، التاريخ يوجد أحداثاً وحيدة تتحدى أي توقع كان ، لكن بحال جرى حدث رهيب هل يقف العالم مكتوف الأيدي؟ ما المقصود بالعالم ؟ تلخص الإيديولوجيا الغربية أنه على العالم أجمع أن يهتم بحقوق الإنسان ويرى العالم أن الغرب كان على الدوام سبب الدمار الإنساني وليس حلاً لمشاكله.‏

هذا وتشكل ليبيا منعطفاً من خلال مشاهدتنا كيف نفذت قوات الناتو مذهبها R2P ليس لحماية الأشخاص المدنيين من الطائرات ، لكن لضرب البلاد بهدف إسقاط النظام . وعزل الغرب نفسه في دائرته الدعائية ، ورأى أغلب العالم أن التدخلات الغربية تحركها مصالحها الاقتصادية الخاصة ومصالح اسرائيل . وإحساس بعض الدول بالتهديد الأمريكي دفعها لتقوية جهاز دفاعها العسكري ، وقمع مسلحي المعارضة التي يمكن أن تستخدمهم أمريكا ذريعة للتدخل الخارجي .‏

حين يصرخ البعض “ إبادة “ وحين لا يكون هناك إبادة ، تفقد أمريكا مصداقيتها ، وتدمر الثقة وتولد الوحدة اللازمة لتحريك عمل إنساني دولي حقيقي .‏

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *