المسرح السوري ..معالجات جادة حول مجتمع حي

المسرح السوري ..معالجات جادة حول مجتمع حي

جدية العرض المسرحي و طرحه الحي تجعله دوما يمتلك ديمومة، ومقدرة على التواصل مع الجمهور، وبالتالي أحقية الحضور عبر أزمنة متغيرة و متعددة،

خصوصا عندما يتعلق الأمر ببنية حضارية راسخة وعريقة قائمة على التنوع والغنى الثقافي،و ارتبطت على الدوام بالمجتمع السوري، وها هو عرض (المرود و المكحلة) تأليف: (عدنان عودة)، وإخراج (عروه العربي) يعاد عرضه على صالة مسرح الحمراء بدمشق بعد مرور سنوات من عرضه لنفس الكاتب وإخراج (عمر أبو سعده)،‏

وقد استشرف مبدعوه قضايا لها أبعادها المجتمعية الهامة على الدوام، وإن توازت حاليا مع أزمة الوطن،وقدمت دعوات للحب والتمسك بهذا الانتماء المجبول بالإنسانية والأبعاد الحضارية الأرقى، وقد ركز العرض على مسألة الاختلاف و التعايش، مؤكدا على طبيعة هذا المجتمع الحي، الذي يستمر باستناده على الحب و المحبة، حيث تم التأكيد على خصوصية الهوية و الانتماء الراسخ للوطن الأم سورية رغم التنوع الواسع، و قد اعتمد كعرض مسرحي على الثنائيات، وكل ثنائية اختلفت عن الأخرى، مكانا و زماناً ولهجة وحوارا،كما امتدت من الماضي وصولا إلى الحاضر، لكنها اجتمعت عند هوى وحيد هو الاجتماع عند حب سورية، مهما اختلفوا كإثنيات، ومهما تلونوا، ليصلوا إلى دلالات مختلفة، تؤكد على تاريخ طويل، يحفل بهذه الملامح والميزات، التي تؤكد خصوصية السوري من جهة، والتنوع المتناغم الطويل من جهة أخرى، فالعرض لم يدعُ إلى الحب بل إنه حاضر دوما، من خلال هذا التعايش، الذي يعرف العالم بأسره ارتباطه بسورية.‏

طبيعة النص المسرحي لـ (المرود والمكحلة) والمضمون المراد إيصاله، الذي يكتنز بالدلالات الحضارية والاجتماعية والثقافية، تلك المعبرة عن بنية حضارية خاصة بتاريخها وطبيعتها ورسوخها، تطلبت أسلوباً خاصاً ومفردات فنية، يمكنها تقديم المعادل الفني والدرامي،وقد تألقت عبر العرض حلول إخراجية تناسبت مع تبدل الأزمنة و الأمكنة على مساحة الوطن السوري،كي يمكنها المرور بدقة وتعمق،وبالتالي التصوير لتنوع اجتماعي و ثقافي، يتناغم بشكل إنساني فريد، يمكنه الاستيعاب و الاحتواء للآخرين تحت عناوين الحب و الخصوصية الاجتماعية المتميزة، خصوصا أن تلك الثنائيات المتتالية في العرض، قد بدأت بالعثور على طفل ناج من مذابح الأرمن في تركيا، فيتبناه (فواز) هو و زوجته بكل حب، ويعيش الآخر متماهيا مع تلك البيئة، يتربى على عاداتها وتقاليدها، ويتزوج فيها، أما ابنه فيرتبط مع فتاة لها انتماء آخر، فتلك البيئة تدمج بدافع إنساني الجميع تحت خيمتها، و يؤكد العرض على استمراريتها و رسوخها في المجتمع السوري، خصوصا أن التاريخ الأول لتلك الثنائيات المختلفة و المتحابة قد بدأ عام 1917 م ،ويحضر هنا عبر المسرح سرد تاريخي ضمن سياق درامي شيق، استطالت وتوسعت عوالمه وعلاقاته الاجتماعية، كي تعبر عن جذور ثقافية و حضارية لها خصوصيتها الاستثنائية في عالم الوطن السوري،‏

وكان حضور لافت للمؤثرات الموسيقية في العرض، ساهمت أيضا بإظهار الكثير من الأجواء الدرامية، وبلورة ماهيتها الشفافة، لإبراز علاقات اجتماعية تربطها البساطة و الطيبة و المحبة، فيؤكد العرض هنا أن الواقع كما التاريخ السوري، يكتنز بالتنوع الحضاري و الثقافي والإنساني،فقدم رسالة ملؤها الحب والدعوات الكثيرة للتمسك به، في ظل هذه الظروف، لأنه أهم ما ميز هذه الأرض العظيمة وأناسها،هؤلاء الذين تتأكد إرادتهم في الاستمرارية والعمل والإبداع رغم الظروف الصعبة،وهذا ما أصر عليه فريق العرض جميعهم وأكد ذلك الفنان الشاب(يزن خليل)الذي يقوم بدور رئيسي في العمل فقال:‏

لان الإنسان هو القيمة العليا .. ولأن دمشق مدينة لا تموت ، قررنا نحن العاملين في مسرحية ( المرود والمكحلة ) الخوض بهذه التجربة ( المغامرة )، لأيماننا المطلق بهاتين الحقيقتين .. وعلى الرغم من كل المعوقات ( المتجددة والجديدة ) التي واجهناها …. من الوضع الأمني المتردي منذ أكثر من عامين، وهذا معوق مستجد .. إلى الوضع ، الذي يعاني منه المسرح في سورية، والظروف الصعبة التي يشتغل في خضمها الفنانون المسرحيون السوريون، ولن أخوض في هذا المعوق طويلا لان الجميع باتوا يعرفونه وتكلموا عنه طويلا .‏

واستطعنا أن ننجز هذا العمل، وقدمناه للجمهور السوري العظيم، الذي واجه ظروف البلاد العصيبة وأصر على الحضور حتى اليوم الأخير وبكثافة عالية . أما عن دوري في المسرحية .. فقد قمت بلعب دور ( شامل ) وهو شاب من محافظة الرقة يعمل ( معيبر ) أي إنه يعبر بالركاب من ضفة إلى أخرى من ضفاف نهر الفرات، وهو شاب تعشقه النساء لوسامته الشديدة وحضوره الآسر، لدرجة أنهن يرينه نصف إله ،وهذا ما يعود على والده ( كريكور ) وأخته ( أزنيف ) بالمصائب الشديدة .. فيتسبب بمقتل الشيخة ( راوية ) على يد زوجها، مما يجبرهم على مغادرة الرقة والتوجه إلى حمص، وهناك يقع في حب ( وردة ) المتزوجة، وعندها ينتهي العالم وبعدها تصبح النساء أرقاماً، ويخطفها من زوجها وابنتها، لينتهي به المطاف في عين ديوار ….. المسرحية بشكل عام تتحدث عن التكوين الاجتماعي في سورية المتداخل إلى حد كبير وكبير جدا، لدرجة أن المجتمع السوري يشبه المرود والمكحلة. عرض(المرود والمكحلة)من إنتاج مديرية المسارح والموسيقا ـ المسرح القومي،تأليف (عدنان عودة) ،إخراج سينوغرافيا:(عروة العربي) ،أما أداء الأدوار قام بها الفنانون (رغد مخلوف)( محمود نصر)(وسيم قزق )(يزن خليل)( ربا الحلبي)( يحي هاشم )(حلا رجب)( لوريس قزق)( كرم الشعراني)( نجاح مختار) أما الموسيقا آري سرحان وشارك في العرض فنيون وتقنيون أخرون تركوا لمساتهم الخاصة على العمل .‏

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *