استحقاقات ثقافيّة راهنة ..

استحقاقات ثقافيّة راهنة ..

في كلامنا عن الرّاهن نعني المرحلة الزمنيّة التي أُشعلت فيها النّيران في سوريّة، وكان تحرّكاً مسلَّحاً منذ لحظاته الأولى، وله اصطفافاته الداخليّة والخارجيّة، أقول هذا حسماً لما يمكن ان يذهب إليه الجدل في هذا المجال،

وأقولها بعلم المعايش، في حمص، فلقد عرفنا كيف يكون الخوف والذّعر منذ الأيام الأولى عن طريق الذين كانوا يدخلون أحياء بعينها من المسلّحين، ويطلقون النّار عشوائيّاً لإرهاب الناس، والآن وقد مضى أكثر من سنتين على هذه الأحداث، بتطوّراتها السوريّة، والإقليميّة، والدوليّة، فإنّ ممّا يبدو مشروعاً أن نسأل : أين هو الدّور الثقافي؟‏

الذي لانختلف فيه أنّ الثقافة، بحضورها المطلوب، قد غابت بدرجة ملحوظة، كفاعليّة، وكحضور، وكمنتج، وإذا كانت قراءة (قلّة المنتَج)، كما هو باد، ممّا يمكن تعليله، فإنّ المسألة أكثر تعقيداً في بحث (الفاعليّة) والحضور المطلوب،‏

ببساطة المطمئنّ إلى النتيجة يمكن القول إنّ ماهو (سياسي) قد أقصى ماهو (ثقافي)، ليس بحكم الأحداث، والحاجة إلى تسليط الضوء، وكشف الزّوايا ذات الكثير من الخبايا، ودون تجريد ذلك من لمحات ثقافيّة ناتجة عن التّقاطعات النّوعيّة بين ماهو ثقافي وماهو سياسي،‏

هنا لابدّ من التوقّف ولو قليلاً عند مسألة (التّوعية) وهي مسألة مشتركة في الحراك العام، كما أنّها ذات خصيصة راجعة، فالتّوعية السياسيّة تأخذ متابعيها، بوعي، من التوعية بالمسألة الرّاهنة إلى القضايا الأعمق، والتي تشكّل جوهر هذا الصراع، والذي أرادت القوى المتآمرة تغييبه وراء دخان الحرائق، ودموع الحرائر، إذ إنّ من يدقّق يجد أنّ تغييب مسألة الصراع العربي الصهيوني، وإبعادها عن الحضور، ولو بظلالها، هو أحد الأهداف القريبة والبعيدة في هذه المعركة، وهكذا تأخذنا حيويّة الوعي السياسي إلى الوعي الأكبر، الجوهري، والذي هو وعي ثقافي بامتياز، ونحن نتكلّم هنا عن الانتماء إلى الوطن بقضاياه الكبرى والصغرى، وليس عن (الأيديولوجيا) بشكلها التعصّبي، لأنّ التعصّب، وادّعاء امتلاك الحقيقة، أيّاً كان شكله، هو خروج من رحابة الفضاءات الإنسانيّة، بمنجزاتها الماضويّة، وبتطلّعاتها المستقبليّة، واحتمالاتها،‏

لنقل مطمئنّين إنّ الثقافة في مثل هذا الاحتدام تحتاج إلى حراك نوعيّ، في الوعي، وفي (إيصاله)،‏

في الوعي يبدو أنّ المثقّفين كانوا أقلّ بكثير ممّا طرحوه قبل اندلاع الحريق، فهم لم يستطيعوا إثبات جدارتهم بالدّفاع عمّا تبنّوه من قبل، بل أصاب بعضهم من الانتكاس ماأوقعهم في التّناقض، ولستُ أعمّم، فثمّة من وقف عند مبادىء وعيه، وثمّة مَن تعالى على جراحه، وثأريّته، وكراهيته، نذكر هذا لأنّ ثمّة من انحرفت به انفعالات الأنا فجرفتْه مياه اهتبال الفرصة لإرواء ظمأ فردي،.‏

هنا أيضاً نلاحظ أنّ المنابر التي تحتاج إليها الثقافة لم تتوفّر بالقدر المطلوب، وإذا كان السياسي يستطيع مخاطبة النّاس بمفردات سهلة، وببسط ماهو يومي وتاريخي في آن واحد، فإنّ المسألة الثقافيّة تحتاج إلى قدرات مناسبة في مثل الواقع الذي نحن فيه، لاسيّما وأن صيغة الجماهيريّة ماثلة بقوّة، بدءاً من هموم مفردات الحياة الضروريّة، وصولاً إلى الرؤّية العريضة، وطبيعة المعركة تفرض استدعاء جميع الأسلحة، بالأسماء التي حقّقت حضوراً قوميّاً وتقدميّا على مستوى الوطن، وبما يتلاءم مع طبيعة المعركة الدّائرة،‏

تُرى أين هي المنابر الثقافيّة في محطّاتنا الفضائيّة، الرّسميّة والأهليّة؟!‏

إنّنا بحاجة ماسّة إلى مثل هذه المنابر، كنافذة، وكجهة توصيل وتفاعل، وهذا مالم يحدث حتى الآن، والذي لاشك فيه أنّ تغييب أو غياب الحضور الثقافي عن الشرائح الاجتماعيّة، على تعدّدها، ليس من الحكمة في شيء، بل هو استمرار للأخطاء التي لم تُعر هذه المسألة ماتستحقّه من قبل،‏

لايكفي الآن القول إنّ التّكفيريّين، والإسلامويّين الدمويّين هم الذين يقودون هذه الحملة ذات الرّائحة الصهيونيّة في مآ لاتها الكبرى، ومثل هذا التّركيز والضخّ قد يعطي نتائجه لاشكّ ، غير أنّ مَن يريد أن يضرب هذه التّوجّهات في الصميم لابدّ له من تعرية ثقافيّة، فكريّة لمقولات هؤلاء الذين يتستّرون بالإسلام لإنجاز مشروع غربيّ صهيونيّ، فلماذا لانستضيف على فضائياتنا، وبشكل مدروس مَن يتحدّثون إلى النّاس البسطاء بلغة، وبأسلوب يوصل إليهم الأفكار التي تحصّنهم من الاستغفال باسم الدّين، لاسيّما وأنّ الغالبيّة العظمى من شرائحنا الاجتماعيّة ليست ابنة التّكفير، ودليل ذلك العيش المشترك الطّويل الواحد لجميع الطوائف، والمذاهب، والمِلل، والنّحل، وكان شعار الجميع:» كلّ مين على دينو اللّه يْعينو»، أي أنّ مامضى كان يُطبّق بفطريّة صافية مقولة» الدّين للّه والوطن للجميع»،‏

لقد ظهر على شاشاتنا عشرات المحلّلين السياسيّين، من العاملين في الحقل السياسي، ومن رجالات الدّين الذين يقفون بصلابة ووعي ضدّ هذه الموجة التّكفيريّة الإسلامويّة، ولعبوا دورا طيّباً في الفضح، والتّوضيح، والتّعرية، فهل مثقّفو سوريّة أقلّ جدارة وفاعليّة؟!!‏

إنّ التّوعية السياسيّة، على أهميّتها، تبدو ابنة (المرحلة)، بما للمرحلة من امتدادات ماضويّة ومستقبليّة، أمّا التوعية الثقافيّة، فهي الجذور الضاربة التي تؤسّس لأزمنة لايستطيع فيها مستغلّو الدّين استغفال النّاس وجرّهم إلى ذلك الخراب،‏

إنّ الوعي الثقافي يشمل التّربية والتّعليم، والنشاطات الإبداعيّة بعامّة، وحين نؤسّس لمثل هذا الوعي فإنّنا نؤسّس لوعي جماليّ، نقديّ، ينطلق من رهافة الرّوح الإنسانيّة ومن إنسانيّة الإنسان، لامن حدّ السكين والذّبح،‏

إنّ العمل العسكريّ الذي تقوم به قوّاتنا المسلّحة الباسلة، بقدرتها، وبما تحمله من أهداف، وبتضحياتها التي أذهلت الأعداء ،.. هذا العمل يؤسّس ضمناً لولادة سوريّة الجديدة، المحافظة على وحدتها، وعلى نهجها في المقاومة، والتعدّديّة والديموقراطيّة، والعدالة الاجتماعيّة، ومثل هذا الإنجاز الرّائع لاتكتمل مداميكه إلاّ بالتّأسيس الثقافي الذي يخلق في العقول مناعة تعجز عن اختراقها جراثيم التّضليل،‏

لابدّ من العمل منذ الآن على كلّ مايساهم في صلابة الوحدة الوطنيّة، في مَظهرها الإجتماعي القائم على المواطنة، حيث الغالبيّة العظمى ضدّ التوجّهات التكفيريّة فكراً ونشداناً سياسيّاً، ولا شكّ أنّ ممّا يساعد على تحقيق المُبتغى فكريّاً أنّ معظم المصطلحات الفكريّة التي لابدّ من تداولها ليست غريبة، وليست عصيّة على الفهم، ولا تحتاج إلى تخصّص ثقافي، فنحن لانتحدّث عن الفلسفة الماركسيّة بعمقها الفلسفي، ولا عن الوجوديّة، ولا عن تعريفات الحداثة، ولا عن المدارس والمناهج النقديّة التي قد تُرهق حتى المهتمّين بها، ولا تُفهم إلاّ عبر مخزون ثقافيّ يتميّز به الباحث، بل سيكون الكلام عن الدّين، والتديّن، ببساطة تصل إلى معظم الشرائح الإجتماعيّة، ويكون مطلوباً من الخاصّة والعامة،.. كلّ هذه المُساعِدات تجعلنا أكثر إصراراً على أن تكون حصّة هذه الثقافة، بما تحمله من تلوينات، وتنويعات إلى شعب هذه المنطقة،.. بعيداً عن التّعقيدات، وبهذا لانخدم هذا البلد وحده، بل نكون قد ساهمنا في توعية غيرنا،‏

لقد أرادوا التّسلّل إلى مواقع الفتنة والتّدمير عبر نظرة متطرّفة تكفيريّة للإسلام، ونحن نعلم مدى معاداة الدوائر الغربيّة المتصهينة للإسلام، أيّاً تكن مقولاته المُعتمَدة، واختيارهم الوهّابيّة والسلفيّة المتشدّدة، القاصرة، يضع بين أيدينا أسلحة متعدّدة يمكن الوصول عبرها إلى غايات بعيدة، والمادّة موجودة، والمتلقّي يمكن الوصول إلى كلّ بيت فيه، والمطلوب أن نعطي لهذا التوجّه فرصته على فضائياتنا التي أثبتت جدارتها المهنيّة،‏

لقد أهملنا ضرورة أن يكون الإسلام السمح المعتدل هو الفضاء الأوسع لمراكمة ثقافة عربيّة إسلاميّة ذات صبغة إنسانيّة، وظنّ البعض من المثقّفين، والمؤدلَجين أنّه يمكن اختراق الثقافة الإسلاميّة التي أصبحت سلوكاً في حياتنا مسلمين وغير مسلمين، واستسهلوا إدخال ثقافات أخرى، من المؤسف أنّها أخذت، بأشكال متعددة، صبغة (الدّين)،‏

أعتقد أنّ ماعاناه أهل هذه البلاد من ويلات هذه الفتنة ستكون عاملاً إيجابيّاً على إغلاق هذا الدّفتر النّاري، ليكون مصير هذه الحركات التّكفيريّة مصير كلّ الحركات المتشدّدة في تاريخنا، والتي لم يبق منها سوى المرويّات في بطون الكتب.‏

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *