هل فقدت الثقافة دورها الاجتماعي؟..

هل فقدت الثقافة دورها الاجتماعي؟..

لطالما تحدثنا عن دور الثقافة في الحياة الاجتماعية أو دورها في التغيير وتحريك المجتمع بما هي الرافعة الرافدة والمحركة والموجهة والمنظمة لإنتاج وإعادة إنتاج الحياة المادية والفكرية في المجتمع، وكثيرة هي الكتابات عن خصوصية خطورة دور الثقافة في تحريك وتوجيه وتطوير المجتمع على طريق التنمية البشرية. واذا كان يصح القول:

( بأنّ العالَم يدور على عجلة الاقتصاد والسياسة، ولكن الأصحّ من ذلك هو القول بأنّ الثقافة هي التي توجّه الاقتصاد والسياسة. فبقدر ما يحمل الفرد من ثقافة وعلم في كلا المجالين، فإنّه لا يَخسر ولا يُغلَب).‏

لكن ألا يمكننا اليوم تغيير السؤال الى اتجاه آخر يبدو مقلقا ان لم نقل مخيفا، هل بقي للثقافة دور في الحياة الاجتماعية؟ ويأتي سؤالنا بتأثير ما نراه من انتشار لثقافة العنف والإرهاب وثقافة البترودولار وثقافة الظلام وثقافة التطرُّف وثقافة التكفير والإقصاء، مقابل تراجع ثقافة التنوير والخير والمحبة. ولا يأتي سؤالنا هذا لإنكار أهمية دور الثقافة بل على العكس لأن خطورتها تكمن في استخدام تحريكها وتوجيهها وتنظيمها على الطريق الصحيح في توجهها الثقافي الإنساني العام، بما هي تكوين إنساني تنويري يتجدد ويُجدد الحياة في أبعاد التعدد والتنوع والتلوّن الإنساني، الذي يعكس قيم الخير والجمال. بالتالي يأتي سؤالنا لتحريك العمل على الوقوف في وجه الضّخ الثقافي الملتبس الكثيف والظلامي الموجه ابتداء من الطفولة في المساجد ودور العبادة وفي المدارس والجامعات وفي الصحف والكتب ودور النشر والمكتبات وخاصة في الفضائيات، الذي يغيب العقل والعلم ويركز على الغيبيات، حتى أصبح مثقف الظلام والبترودولار سيد الموقف الثقافي وأصبح الظلام يزحف وينتشر حتى دون مقاومة لدرجة وكأنه يأتي على آخر بقعة بصيص نور في ذاكرة مثقف تنويري . ونعود للسؤال هل يمكن احياء دور الثقافة في التغيير الاجتماعي؟ خاصة بعد التزوير والتشويه الذي رافق ما يسمى زورا «الربيع العربي» وهو في حقيقته عاصفة هوجاء تخرب ولا تزهر.‏

نحن مطالبون اليوم مطالبة بالوقوف وبكل ما نملكه من امكانات لإعادة مكانة ثقافة التنوير والعقل خاصة في ظل سطوة الاعلام الذي يكرس العنف والجهل. لأن ما يجري يقوّض الدولة نفسها .‏

فالثقافة إلى جانب أنها إنتاج جميل ما يُبدعه الإنسان المثقف، هي في الوقت نفسه عرفان وإقرار بجميل من يرفع من شأنها ويصون كرامتها في الحرية والديمقراطية والتعددية ويأخذ بيدها ويعيد ذاكرة روّادها ومبدعيها إلى الحياة والذي يُنكر ذلك لا يستحق أن ينتمي إلى إنسانية الثقافة وأبعاد مسؤوليتها في المجتمع. وهنا يمكننا توجيه لوم مشترك الى الحكومات التي أهملت الثقافة والى المثقفين الأنانيين الذين تراجعوا لصالح مصالح ضيقة. وكأن فتح مشروع الإصلاح الثقافي في الحريات العامة والديمقراطية والتعددية وحقوق الإنسان وحقوق المرأة لم يُحرِّك شيئاً في وجدانهم الثقافي الملتبس، بحجة فساد الحكومات ، إنّ شرّ ما يؤرق الثقافة هو شخصنتها وفي الارتزاق على شواطئ الغموض والإبهام اللغويين.. وخلط ذاكرة أوراقها الإنسانية التنويرية الإبداعية في ذاكرة العدمية والإرهاب والتخريب وحرق المدارس والاعتداء على أملاك الدولة العامة.. وحتى هذه اللحظات لم نر مثقفينا يضطلعون بنصوص تنويريّة واعدة تُدين الإرهاب والتطرُّف بالرغم من صولات « مثقف» الإقصاء والإرهاب في طول الساحة الثقافية وعرضها، وبالرغم من أن نصوص الإقصاء والإرهاب وفتاوى التفكير الظلامية تملء الساحة والتي تستهدف بالدرجة الأولى قلب الثقافة النابض بالإنسانيّة والإبداع.‏

لذلك المطلوب اليوم دعم ثقافة التنوير وتخصيص ميزانيات لانتاج ونشر كل انتاج ثقافي يحمل القيم الانسانية الأصيلة من حب وخير وجمال وعدالة وتوزيع عادل للثروة ومكانة انسانية للمرأة، ليعود للثقافة دورها في التغيير الاجتماعي السليم ونبذ العنف والارهاب، ومطلوب من المثقفين عدم تنحية أنفسهم تحت أي حجة لأن خطر الارهاب والظلامية أكبر من أي خطر.‏

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *