عانقت التاريخ كدمشق.. أغلى من الذهب.. وأبقى من النفط..

عانقت التاريخ كدمشق.. أغلى من الذهب.. وأبقى من النفط..

«أغلى من الذهب وأبقى من النفط»، بهذه العبارة يصف السوريون «الوردة الشامية»،.. حكايتها من حكايا الشام وحاراتها العتيقة.. وصل عبقها إلى كل العالم وأخبارها روجت لها أساطير التاريخ.. وقالوا عنها إنها وردة جاءت من الجنة،

حيث لقبتها الشاعرة الإغريقية سافو بملكة الأزهار وذكرها شكسبير في إحدى مسرحياته عندما قال: جميلة كجمال وردة دمشق.‏‏

‏‏

لقد عانقت الوردة الدمشقية التاريخ كما عانقها اسم دمشق كأقدم مدينة مأهولة في التاريخ ووصل عبق عطرها الأخاذ إلى جميع بقاع العالم وارتبطت بالموروث الثقافي والحضاري بحكم تواجدها في كل بيت سوري كما انها تمثل فرصة استثمار اقتصادي مهم نظراً لأهميتها الطبية والعطرية والتزينية والغذائية.‏‏

الوردة الشامية تتميز بفوائد طبية وعطرية وغذائية وتجميلية كبيرة، وتصنع طقساً اجتماعياً بديعاً أيام الجني، ما دفع الشعراء والأدباء للتغني بها قديماً وحديثاً. لأن لها فوائد طيبة عديدة فيصنع منها مجموعة كبيرة من الأدوية.‏‏

سفيرة سورية‏‏

تتميز الوردة الشامية برقتها وجمالها وحساسيتها ورائحتها وفوائدها الاقتصادية والطبية، ما يستدعي ضرورة الاهتمام بهذه الوردة التي ارتبط اسمها ببلاد الشام. إذ لا يقتصر دور الوردة الشامية على نشر الجمال والرائحة العطرة الفواحة بل يتعداه إلى الفوائد الغذائية والطبية والكمالية، وتتميز الوردة الشامية باللون الزهري الموشح بالأبيض من داخلها وبرحيقها الزكي الذي يكون أقوى كلما زادت كميات الثلوج وارتوت التربة وانخفضت درجات الحرارة.‏‏

تعتبر الوردة الدمشقية إحدى رموز التراث السوري حيث كانت تزرع سابقاً في كل بيت ومنطقة من سورية وتعتبر هذه الوردة بحق ملكة الورود، انتقلت الوردة الدمشقية من دمشق إلى أصقاع العالم ولا تزال رسومها موجودة على بلاط قصر الحمراء في غرناطة، وتقول قصص التاريخ إنها كانت موجودة بين أزهار حدائق بابل المعلقة وحدائق الفراعنة، وهكذا ذاع صيتها وغدت الوردة الشامية الجميلة رمزاً لدمشق.‏‏

‏‏

تصنف الوردة الدمشقية ملكة للأزهار وسفيرة للورود السورية إلى العالم وتعد من أشهر الورود على مدى العصور واشتهرت بزراعتها دول كثيرة وخاصة أن الحجاج المسلمون نقلوها إلى المغرب العربي وتركيا وإيران إلا أن سورية هي الموطن الأصلي لزراعتها.‏‏

وهناك من اعتبر أن الوردة الشامية أسطورة الجمال ولوحة فلكلورية من عبق التاريخ وسورية موطنها الأصلي.‏‏

واقع الزراعة‏‏

المساحة الإجمالية: تشكل المساحة المزروعة اقتصادياً بالوردة الدمشقية نسبة قليلة من إجمالي المساحات المستثمرة في سورية لا تتعدى 0.005٪ وتتوزع هذه المساحة في محافظتي ريف دمشق وحلب.‏‏

إن الوردة الشامية تزرع على مساحات واسعة في منطقة القلمون بريف دمشق وبشكل خاص في قرية المراح كزراعة اقتصادية وذلك بمساحة تبلغ 200 هكتار بعلاً كما تتواجد بين الحقول بأعداد قليلة ومبعثرة في غوطة دمشق وبشكل عشوائي على أطراف السواقي وبشكل جنبات مبعثرة في منطقة الحرمون وحول البساتين إضافة لوجود تجمعات اقتصادية في منطقة سمعان النيرب – المسلمية – الجينة وبمساحة 67 هكتاراً مروياً إضافة لوجودها في البيوت الدمشقية القديمة بشكل تزييني.‏‏

الوردة الدمشقية تتركز زراعتها في محافظة ريف دمشق وتشكل 74 بالمئة من إجمالي المساحة المزروعة ولاسيما في مناطق المراح والقلمون ورنكوس وعسال الورد وسرغايا وغوطة دمشق وعرنة وجبل الشيخ بينما تشكل زراعتها في محافظة حلب 24 بالمئة من المساحة المزروعة على شكل تجمعات اقتصادية في القرى ومناطق باب النيرب والجينة والمسلمية وجديدة عربيد وعران وبزاعة ورسم العبود بينما تشكل المساحة المزروعة في محافظة السويداء والغاب 2 بالمئة من المساحة المزروعة ويتراوح إنتاجها السنوي بين 15 و20طناً.‏‏

إن زراعة هذه الوردة تنجح في المناطق التي يصل ارتفاعها إلى 385 متراً عن سطح البحر مثل باب النيرب في حلب وعسال الورد بريف دمشق مروراً بقرية المراح التي افتخرت واحتفظت بتراث وزارعة هذه الوردة على ارتفاع 1500 متر.‏‏

إعادتها إلى الحديقة المنزلية‏‏

نظراً لاستخدامات الوردة الشامية الكثيرة من البراعم الزهرية والأزهار المتفتحة والزيوت العطرية الهامة كان لابد من نشر زراعة الوردة الشامية في موطنها الأصلي في منطقة القلمون لقيمتها التاريخية والبيئية والاقتصادية فهي رمز البيئة الدمشقية، من هنا جاءت مبادرة وزارة الزراعة والإصلاح الزراعي ممثلة بمديرية تنمية المرأة الريفية في إطلاق مشروع الحدائق المنزلية للوردة الشامية في قرية السحل حيث قامت مديرية تنمية المرأة الريفية باختيار عشر مستفيدات من النساء الريفيات ممن يرغبن بزراعة وتسوير حدائقهن المنزلية بالوردة الشامية.‏‏

وتهدف هذه المبادرة إضافة لما سبق ذكره، إلى تأمين مصدر دخل عن طريق تسويق منتجات الحديقة من الوردة الشامية وزيادة القيمة المضافة لبعض هذه المنتجات ولا ننسى أهمية استثمار دخل الحديقة في التغذية والتعليم والرعاية الصحية الأمر الذي يؤدي لتمكين المرأة الريفية، بالإضافة إلى المساهمة بالحفاظ على البيئة واستدامة الموارد المتاحة.‏‏

وفي إطار هذه المبادرة قامت مديرية تنمية المرأة الريفية بما يأتي:‏‏

1- تنفيذ برنامج تدريبي للفنيات في منطقة القلمون على موضوع أهمية الوردة الشامية وزراعتها في الحدائق المنزلية.‏‏

2- تصميم وتنفيذ زراعة العشر حدائق المختارة بغراس الوردة الشامية التي تم الحصول عليها من مشتل دير عطية الزراعي.‏‏

3- التنسيق مع مديرية زراعة ريف دمشق بتقديم جميع التسهيلات من تحضير الأرض للزراعة وحراثتها وتامين كل ما يلزم لعملية الزراعة من عمال وصهاريج للري وذلك من خلال التنسيق مع دائرة زراعة النبك.‏‏

4-التنسيق مع مشروع التحول إلى الري الحديث من اجل تنفيذ شبكات ري بالتنقيط لهذه الحدائق.‏‏

وجودها يعود لآلاف السنين‏‏

إن زراعة الورد تعود لآلاف السنين حيث أشارت المراجع إلى أن أقدم المخطوطات التي ذكرت فيها هذه الشجرة تعود إلى منطقة شرق المتوسط قبل 2000 – 3000 عام وانتقلت في العهد الروماني إلى أوروبا وهناك بدأت الزراعة المكثفة للورد في بيوت زجاجية بهدف الحصول على إنتاجية للأزهار على مدار العام وخلال القرن السادس عشر قام الأتراك بنقل زراعة الوردة الشامية إلى تركيا ودول البلقان وتعتبر حالياً بلغاريا وتركيا أولى الدول في زراعة الورد بهدف إنتاج الزيت المعروف عالمياً بـ ROSOOTTO.‏‏

يذكر أن الغرام الواحد من زيت الوردة يباع بنحو خمسة آلاف ليرة وكل واحد كيلو غرام من الأزهار ينتج 800 غرام من ماء الورد وإنتاج كيلو غرام واحد من الزيت يحتاج لأربعة أطنان من الوردة الشامية وهو ما يستدعي الاهتمام بها والتوسع في زراعتها.‏‏

يذكر أن إنتاجنا من الوردة الشامية يقدر بـ 60 طناً وأن سعر الكغ الواحد من زيت الوردة يزيد عن مليوني ليرة فهذا يتطلب بل يحتم على الجهات المعنية الشروع بإنشاء معمل لتقطير الوردة واستخلاص زيوتها التي إذا أصبحت واقعاً فإنها توفر مورداً مالياً جيداً بالقطع الأجنبي الذي يرفد خزينة الدولة ويسهم في تحسين المستوى المعيشي للمزارعين.‏‏

فوائد طبية‏‏

المنتج الأهم للوردة الشامية هو زيت الورد الذي وصفه الصينيون بأنه أغلى من الذهب، وله فوائد عديدة عطرية وطبية تتمثل في إيقاف نزيف الدم ومعالجة أمراض الكلى والحصى والجهاز البولي والتناسلي، كما يفيد ماء الوردة الشامية البشرة وينقيها ويغذيها ويساعد على إزالة التجاعيد.. أما زهورات الوردة الشامية المجففة فهي الأفضل طبيعياً في حالات الزكام وآلام البلعوم.. وستبقى دمشق وورودها تزهو وتتألق لتعطر الكون بشذى عبيرها.‏‏

الوصف المورفولوجي‏‏

الوردة الدمشقية شجيرة معمرة قائمة، كبيرة الحجم، قوية النمو، واسعة التحمل للظروف البيئية المختلفة، شجيرة صغيرة متساقطة الأوراق يصل ارتفاعها إلى 4 – 5م.‏‏

الساق: متعددة ذات أشواك ويخرج منها أفرع يتكون على قمتها برعم مغلق أو كأس ملفوفة بسبلة لتلتف إلى الوراء عند تفتح البرعم إلى زهرة كاملة.‏‏

الأوراق: تامة النمو إما بسيطة أو مركبة من 3 -5 وريقات مسننة، وجهها السفلي قليل الأوبار، ذات أذينتان، مشطية الشكل.‏‏

الأزهار: وردية اللون ذات رائحة عطرية قوية جدا بحجم 4 – 5 سم3 وتترتب الأزهار على شكل نورة عذقية.‏‏

طور الإزهار: تدخل الشجيرة طور الإزهار من السنة الأولى للزراعة وتعطي محصولاً اقتصادياً منذ السنة الخامسة للزراعة.‏‏

موعد الإزهار: 15 أيار – 10 حزيران.‏‏

الثمار: بيضاوية يتراوح طولها 2 – 5 سم في داخلها اوبار حريرية قاسية.‏‏

– وتدخل في تركيب الخلطات العشبية في الطب الشعبي البراعم الزهرية قبل تفتحها.‏‏

أما الأزهار المتفتحة تدخل في الصناعات الغذائية (مربى- شراب الورد…).‏‏

والزيوت العطرية (زيت الورد) عبارة عن سائل زيتي عديم اللون رائحته عطرية وطعمه حاد تفاعله حامضي ينحل في الغول والايتر. ويتوزع استخدامه في صناعة العطور ومستحضرات التجميل والاستخدامات الطبية كمواد ملينة.‏‏

الوردة الشامية عبقاً وألقاً لدمشق‏‏

إن هذا الاهتمام والتغني بالوردة الدمشقية جاء نتيجة جمال أزهارها وعبق رائحتها الشذية ولفوائدها العطرية والطبية والتجميلية والغذائية والدوائية الكبيرة بالإضافة إلى سهولة زراعتها في اغلب المناطق الجغرافية نظراً لتحملها الظروف الجوية المختلفة ودورها في الحد من التصحر والجفاف.‏‏

وتبقى الوردة الشامية عبقاً وألقاً لدمشق وسورية وتبقى تلك حكاية الوردة التي عطرت العالم.‏‏

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *