مـن دفاتـر المطعونيـن في زمــن الخيانـات..

مـن دفاتـر المطعونيـن في زمــن الخيانـات..

صرت أخشى المدلّكين و(المكيّسين)والمربّتين على كتفي وكربي وأحزاني،صرت أحتاط من الواقفين خلفي على طوابير العزلة والانتظار.

يا ظلّي الذي يصغرني في الظهيرة ويكبرني في المساء,ارفع يديك لأتأكّد من أنّك لا تحمل آلة حادّة.. وحدّثني عن الشرفات التي تتلصّص عليها،عن الشاحنات التي تدهسك كل يوم،عن الأمطار التي تبلّلك ولا تشتكي،عن الشمس التي تلوّح جلدك الأسود.‏

الحياة بلا صديق كصديق بلا خنجر..يخفيه خلف الابتسامة… وخلف ظهره يا ظهري الذي لم أعد آمن جانبه.‏

ظهري الذي لم تطله أظافري في الحكّ فاستعان بخناجر الأصدقاء وأنياب الأحبّة ومخالب المقبّلين.‏

(لا تخش سكيناً ذا نصلين ولا سيفاً ذا حدّين ولا ورقاً ذا وجهين, بل ظهرا قد يتآمر عليك مع قاتلك),عبارة ورثها الحفيد عن جدّ مات ينزف إخلاصا لمن خانوه.‏

(لا تعش دون أعداء ولا تعاد دون أصدقاء ولا تعتذر إلاّ من قتيلك),عبارة قالها القاتل بلغة موليير إلى مساعده العربي في أزهى مراحل الاستعمار.‏

هل خلق الله الظهور كي تطعن والوجوه كي تصفع والأسرار كي تكشف والأعراض كي تستباح…أم أنّ الحقيقة في نقيضها.‏

ظهر لا تسنده الحيطان ولا الأقرباء ولا مسدّسات المرافقين ولا أظافر الحكّ.. بل الطعنات والوشايات ونمائم الذين أحببتهم.‏

قال أحد الظرفاء: (لا تمنح ظهرك إلاّ لزوجة في السرير)… ونزيد عليها بنشرة أخبار في الصالون أو قاتل مسلّح وأنت أعزل مثل قطعة سلاح في متحف… لا تطمئن لحبيبة تعانقك من الأمام بل لواحدة تطوّقك من الخلف…عفوا،هل قلت (حبيبة في السرير)؟,حسنا،اجعلها في أي مكان آخر غير السرير…تدبّر أمرك,فإنّ الأسرّة تدعو للتثاؤب دائما.‏

الظهور لا ترتدي الأقنعة،تدفأ كفّ طاعنها بدموع حمراء…وتكتفي بالنزيف.‏

أوليست الوجاهة من الوجه والصدارة من الصدر والمظاهر من الظهر!؟…(ألم نشرح لك صدرك ووضعنا عنك وزرك الذي أنقض ظهرك)…تأمّل في آية هذه الآية.‏

أي بني, أيها الظهر الطريّ الذي لم تطعنه الوشايات بعد,والذي لم تقسمه الحماقات بعد,.. كم ستهرول نحو لحظة انشراح وهاوية,كم ستخونك الأصابع التي دلّكتك والأنامل التي حكّتك والشفاه التي قبّلتك…كم ستحنّ إلى الوجوه التي في وجهها نظر.‏

خلق الله الظهور دون عيون وخلق معها الأصابع التي لا تطال القمر..ألا ترى أنّ الخناجر -كما اللسان-مقوّسة دائما…وعلى عكس السيوف والبنادق والسكاكين وحتى الرصاص والكلام الصريح.‏

يركب الناس ظهور الدواب دون بطونها،يتوّجونها بالسروج والأجنحة والطعنات والرايات، ولا يرى الشمس إلاّ من أدار ظهره للظلام،أمّا الخنافس والسلاحف فلا ترى زرقة السماء إلاّ مرّة واحدة وأخيرة.‏

وحدها الأرض تحفظ ظهورنا من النسيان والطعن والانكسار, وحدهم (المكيّسون) في حمّام السوق ينظّفون ظهورنا ممّا علق فيها من شتائم ونمائم… ثمّ نكافئهم على حسن نواياهم وعدم استبدال كيس التنظيف بخنجر مسموم.‏

الحيطان لا تحمي ظهورنا بل تتفرّج على قتلنا،و تستقبل الشتائم والرصاص.قل لن يحميك من يقف خلفك بل من وقف إلى جانبك,هل رأيتم حائطا يحمي رجلا !؟.‏

الرجال -كما الحيطان التي تستند إليها ظهورهم -:مصيرهم الخراب والانهيار فوق المستجيرين..وتبقى الأساسات بلا ظلال.‏

المخدوعون هم أولئك الذين خانتهم ظهورهم قبل الخناجر وزيّنت الحيطان:(ظهور ظهورهم) بصوت اسمه الأحمر.‏

أمّا الرجال الحقيقيون فهم أولئك الذين يشتمهم الآخرون في العلن جماعات، ثمّ يترحّمون عليهم في سرّهم فرادى.‏

أولئك الذين لايموتون ميتة الشياه ولا يعيشون حياة القوارض،بل نسور تبلغ من العمر عتيّا، فتحلّق عاليا نحو قمّتها الأخيرة (من قال إنّ القمم تشاهد بالعين المجرّدة وهل هي شامخة بالضرورة) ثمّ تطوي أجنحتها وتنزل مثل وابل من الغضب.. إنهم يرحلون ولا يخفون رؤوسهم تحت الأجنحة كما تفعل بقيّة الطيور.‏

من قال إنّ الصدور للعناق والملاحم والأسرار، وإنّ الظهور للهزائم والانقراسات والخيانات.‏

آه يا ظهري…. اعذروني، لقد طال جلوسي على هذه السطور وإني أتحسّس بداية ديسك..لا سمح الله.‏

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *