رانيا المأمون.. تقتفي أثر أبناء الشمس.. !

رانيا المأمون.. تقتفي أثر أبناء الشمس.. !

بإزميل قلمها نحتت أبطالها.. نكأت صمتاً.. عالماً مسكوتاً عنه.. مهملاً.. غارقاً في دائرة صمت محكمة الإطباق.

بحركتها تلك، تفكّ إطباق الدائرة لينقلب الأمر إلى النقيض.. فدخول عوالم شريحة البشر التي تختار الروائية سرعان ما ينفلش، و كما لو أنه كرة أحداث، إلى حيوات تمور حركة مدهشةً حد الصدمة..‏

أي حياة و أي حركة تلتقط رانيا المأمون في عملها (ابن الشمس).. ؟‏

على خطين متوازيين يسير السرد لدى المأمون.. فطوال أحداث الرواية نكون مع قصتين تُنسجان على التوالي و بشكل متناوب وصولاً إلى نقطة النهاية التي تجمع ما بين (جمال)بصفته ابن الشمس الأول، و ابن الشمس الثاني هو صديقه (إبراهومه).. أبطال الحكاية الأولى.. و بين (كرم)بطل الحكاية الثانية، الذي يحيا حياته بصمت شبه مطبق.. يصادق الأموات و يكتفي بصحبتهم بحكم عمله حارساً لهم في مشرحة.‏

لماذا كان اللقاء بين هذين العالمين.. الصنفين من البشر.. في الخاتمة التي قادت جمال ميتاً إلى ذات المشرحة التي يعمل بها كرم.. ؟‏

هل هي إيماءة من الكاتبة إلى وجوب التقاء عوالم الموتى الذين هم شبه أحياء في الحياة.. الذين يحسبون في عداد (الأموات)أكثر من حسبانهم في عداد الأحياء بمراتٍ و مراتٍ مضاعفة.. ؟‏

هل فيها إشارة إلى وجوب الوصول إلى النهاية ذاتها لمن كانت حياته على الهامش.. حياة يغلّفها الصمت.. و هل تختلف حياة كرم، و إن كان لا يُعتبر من أبناء الشمس، عن حياة كل من جمال و إبراهومه على الرغم من الاختلافات الظاهرية التي تسردها الروائية في حذافير عملها لدى بنائها بيئة كل من العالمين.. ؟‏

يقول كرم في أحد مونولوجاته: (مرضي ليس اكتئاباً، إنه الحاجة إلى الحياة، هو رؤيتي للنهر جارياً و لا أستطيع الارتواء، ارتوائي هناك، في موتي، صمتي المبجل).‏

في حين يتمثل الصمت بطريقة مغايرة لدى أبناء الشمس.. صمتهم أو استلاب أصواتهم يكمن بانتمائهم إلى عالم يغلّفه الفقر و الحاجة.. عالم لا وجود فيه لبيت يأويهم.. الشارع هو بيتهم و سقفه الشمس.. إذ ليس من حاضن لهم إلاها و لهذا هم أبناؤها.‏

على لسان إبراهومه يأتي الاعتراف واصفاً يوميات العوز: (هل كنا نخشى أن نموت ؟ هل كنا نخشى أن نأكل أكلاً ملوّثاً ؟لم نكن نهتم يا صديقي، لم نكن نهتم، و لم تخطر ببالنا مثل هذه الأوهام. ما كان يعنينا هو امتلاء المعدة بأي شيء أي كان حتى و إن كان قطاً ميتاً، ترانا نسلخه و نأكله، لا تتعجب، ألم تفهم بعد يا صديقي ماذا كنا ؟).‏

في موضع آخر عبر حديثه عن مجلس (حواية) التي تصبح فيما بعد حماته تتأكّد تسميتهم أبناء الشمس متماهيةً مع معنى (أبناء الشارع).. يقول: (مجلس لشرب الشاي و القهوة و تقضية الوقت. و هو المكان الذي سأمضي كل أمسية من الشهور والسنوات اللاحقة. اكتشفت أني أحب سيرة الناس، حتى الذين لاأعرفهم، أحب أسرارهم و خباياهم. أحب معرفة ما تخبئه الثياب و البنطالات و القمصان تحتها. أحب أن أراهم في عريّهم الكامل في ذلك المجلس و لا أعرف إن كان حقيقةً ما يُقال فيهم أم كذباً، لكنني أحب رؤيتهم كذلك، عراة، بشعي المنظر وتلوكهم الألسنة. مَن قال إنهم أفضل منّا؟ مَن قال إنهم أحسن منّا؟ نحن أولاد الشمس، الشارع، أبناء اللا أحد).‏

بسلاسة تقتفي المأمون أثر شخصياتها.. تلاحقهم بعين فاحصة تسجل كل ما تراه.. تختزن تفاصيل حيواتهم و مجريات أفعالهم بأصغر دقائقها.. و كأنها، بالفعل، على معرفة واقعية بهم.. أ و ليست ابنة مدينة (ودمدني)المكان الذي تقع فيه مجمل الأحداث.. و بالتالي لربما كانت عاينت الأشياء عن قرب.. حفظت مشاهداتها.. لتعود تنسج سردها من جديد على هيئة رواية.. الأمر الذي يجعل عملها معبّأً برائحة نفّاذة محمّلة بطابع المكان_الحاضن الأشمل لأولئك الأبطال المهمّشين.‏

و لشدّة إغراقها بتفاصيل الخوض في بيئة الفقر والتشرّد التي تسود في أنحاء تلك المدينة.. ذاك الإغراق الذي تحسبه،كقارئ، ضرباً من محض خيال تكسوه رتوش التوصيفات الجمالية.. نتساءل:‏

هل كانت تكتب المأمون و عينها تلعب على ما يمكن تسميته الواقعية السحرية.. ؟‏

ذلك أنه تستغرق في الواقع.. تغوص فيه.. دون أن تنسى إكساءه تلاوين ساحرة جمالية.. تجذبك.. و تنفض عنك أي ثقل ينفّرك.‏

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *