أفلام تستند على الجريمة لمحاربــــة أســـبابها..

أفلام تستند على الجريمة لمحاربــــة أســـبابها..

الجريمة السلوك الأكثر بشاعة، والذي يمكن لإنسان أن يقترفه، فهي إشكالية تخفي بين تفاصيلها الكثير من الأسرار والانعكاسات المختلفة، مايفرض البحث عن دوافعها،

وقد شغلت دوما علم النفس كما الثقافة وفنونها لمعرفة العوامل والمعطيات تلك التي تتحكم بالسلوك الإنساني وتوجهه، لذلك لانستغرب أن تنهض إبداعات فنية كثيرة بالارتكاز على عوالم الجريمة، لما يتطلبه هذا الفعل الأشنع من ضرورة لاجتثاثه من جهة، ولما يمتلكه من جهة أخرى من ملحاحية الاقتراب من الواقع والحقائق، كما تطلبه لحالة الصدق المطلق في طرح هكذا معالجات،إن أراد العمل تقديم الرسالة المطلوبة من الفن، من هنا امتلكت تلك الأعمال الفنية شغفا خاصا عند المتلقي لأسباب كثيرة أولها وأهمها قدسية الحياة الإنسانية وبشاعة انتهاكها، من هنا فإن الدراما التي تستند عليها،تكتسب الغنى الحقيقي،كونها توازي واقعاً مؤثراً وحساساً.‏

فجماهيرية هذا النوع الفني، لايكون بدافع التشويق، الذي يعتبر أحد أهم عناصر الجذب في العمل الفني، بل إن حاجة المتلقي الضمنية للتعمق في بحث هكذا أفعال، وهكذا أبعاد، وبشكل مسؤول في عوالم الدافعية،إن كانت نفسية أو اجتماعية أو ظروفاً ضاغطة،التي أدت إلى هذا الفعل المرفوض بالشكل المطلق من قبل جميع البشر.‏

ولا بد من الذكر في هذا السياق أن تظاهرة أفلام قوس قزح التي تنوعت فيها الأساليب والمدارس الفنية و الأفلام و الأماكن الكثيرة والبلدان،كما حضور النوع والكم، جعلت المتلقي يتعمق أكثر في ماهية هذا الفعل وأسبابه المتعددة، إذ تواجدت أفلام كثيرة متميزة، كان من بينها مجموعة أفلام مختلفة،حضرت فيها الجريمة،فكانت الإضاءة على سلوكيات مرفوضة، هي والعوامل المختلفة التي أدت إليها، فكانت المحرك الدرامي لعديد من الأفلام، أظهرت الوجه البشع والمقيت،وذلك من اجل الإشارة إلى الوجهة المعاكسة،والوجه الأجمل في الحياة،الذي ينشده الفن الجيد.‏

فأحد الأفلام كان عن عالم الجريمة المنظمة وآخر عن البحث في البيئة، التي أفرزت هكذا نماذج تستسهل القتل، وآخر عن تهويل أفعال تصل إلى مصاف الجريمة تحت عنوان رفض المجتمع لها، و أن امتلكت بعض الأحقية.‏

مثلا فيلم (بدم بارد) إخراج ريتشارد بروكس كان التركيز على حياة البطلين بطريقة تظهر بيئة كل منهما و طبيعته و حياته ككل، ليبحث المتلقي في تلك التفاصيل و المفاصل، فيضع يده على الجرح ويستشرف الأسباب الحقيقية والدوافع، التي أودت إلى الجريمة،تلك التي منحت الفيلم مقولة إنسانية هامة،أشارت إلى الخطأ الحقيقي،فليس المهم أن نرفض تلك السلوكيات،بل الأهم أن نبحث عن أسبابها التي أدت إليها، والجريمة التي تستخدم في الأعمال الفنية السطحية الهدف، بهدف التشويق،كانت هنا بغرض التنبيه والإشارة إلى الدافع الأبعد،لمحاربته وتجاوزه.‏

هذا يختلف كليا عن مسألة الجريمة المنظمة، والتي تنتشر أكثر فأكثر، حتى تصل إلى رسم ملامح اجتماعية عامة تخفي خلفها العديد من السلبيات الأخرى التي تتجاوز الجانب الاجتماعي إلى قضايا أكثر خطورة،حيث أفسحت المجال لمثل هكذا مظاهر بالتكون.‏

منها فيلم (وعود شرقية) كان كغيره من الأفلام التي هدفت إلى فضح تلك الجرائم الإنسانية الكبيرة، والتي لاتقف عند سلوكيات القتل الشنيعة فقط، بل امتدت إلى سلوكيات تصل إلى سوية الجريمة منها الدعارة و الاغتصاب،من خلال التصوير لعالم فظيع فيه الاغتيال للروح الإنسانية، إضافة إلى التصفية الجسدية.‏

كما أن الجريمة حضرت عبر أفلام لها وجهة درامية مختلفة، مثل جريمة (الأب امارو) حيث أبرز عالما يجمع متناقضات كبيرة، و صراعات بين العالم الكهنوتي و الدنيوي، بالاستناد إلى وقوع (الأب امارو) في الحب وهو شخصية دينية واعتبارية خاصة جدا، ولا يجوز أن تقع في الحب، وهكذا من التناقضات الكبيرة، حيث يصور الفيلم إشكاليات كبيرة و مطبات إنسانية، يمكن إسقاطها في مساحات مختلفة في المجتمع، حيث يراها المجتمع أكبر من الجريمة، كون تلك الشخصية تتخطى المتعارف عليه أو المألوف، بغض النظر عن موقف المتلقي إن كان مع هذه القضية أم ضدها، إلا أنه مايتوجب النظر إليه،هي الشروط الإنسانية والدرامية المقترحة، ثم الإشارة إلى ضرورة الحضور لرؤية عادلة تتعلق بإنسانيته،وتجاوز الأفكار المتقولبة،ويكون المنظور أكثر رحابة، ليجسد هذا المقترح الفني صورة عن تجارب إنسانية كثيرة، وليس بالضرورة تشجيع فكرة حب الأب امارو بالشكل المباشر.‏

أيضا استخدمت الجريمة في فيلم (فارغو) و هو فيلم كوميديا سوداء، يجمع بين التشاؤم و التفاؤل و التوجيه إلا أنه لا يوجد سلبية مطلقة في الحياة، ومثلما هناك أناس أشرار، يوجد في المقابل أناس يحبون الخير بالشكل المطلق،بل هناك من يرى أن معايشة الإنسان للظلم، يجعله يرفضه أكثر وأكثر لكل البشر،وقد تعمق الفيلم بسلوك الناس وعبثية الحياة بشكل فيه الحساسية والشفافية رغم المعاناة الإنسانية،خصوصا أن صناع الفيلم أكدوا على أن قصة الفيلم حقيقية.‏

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *