من ظرفاء العرب (1)..أحمد شوقي..

من ظرفاء العرب (1)..أحمد شوقي..

(أحمد شوقي 1862-1932) أشهر شعراء مصر والعرب في القرن العشرين.

ولد في القاهرة ودرس الحقوق في فرنسا- جامعة مونبلييه- طاف عدداً من البلدان منفياً في بعضها- إسبانيا، له ديوان شعر في 4 مجلدات (الشوقيات) وعدد من المسرحيات منها: (مجنون ليلى ومصرع كليوبترا).‏

كان أحمد شوقي أمير شعراء عصره وبويع هكذا بحق وجدارة غير أنه كان في الآن ذاته من الظرفاء المعدودين وقد اشتهر بخفة ظله وسرعة بديهته وحضور نكتته ولم يكن يوفر حتى نفسه من التندر والمداعبة فعندما بشر بابنه علي قال:‏

صار شوقي أبا علي- في الزمان (الترللي)‏

وجناها جناية- لبس فيها.. بأول‏

لو استشار علي أباه‏

ولم يلبث أن قال بعد قليل في المناسبة نفسها مخاطباً ابنه الوليد:‏

علي لو استشرت أباك قليلاً‏

فإن الخير حظ المستشير‏

إذاً لعلمت أنا في فناء‏

وإن نك من لقائك في سرور‏

وما ضقنا بمقدمك المعذى‏

ولكن جئت في الزمن الأخير‏

لم يغنم سوى فنجان قهوة‏

وعندما بلغ علي الثانية، كتب شوقي قصيدة يتوجه فيها نحو المستقبل، إذ يوفي ابنه على سن الفتوة:‏

لا تقل كان أبي، إياك أن تحذو حذوه‏

أنا لم أغنم من الناس سوى: فنجان قهوة‏

أنا لم أجز عن المدح من الأملاك فروطة‏

أنا لم أجز عن الكتب من القراء حظوة‏

ضيع الكل حيائي وعفافي والمروءة‏

قصائد بلسان الحيوان‏

في ديوان شوقي قسم خاص- المجلد الرابع- حفل بقصائد على لسان الحيوان تمتزج فيها الحكمة بالوقف الصعب والابتسامة، وليس ضرورياً دائماً أن نضحك ونقهقه فلربما أغنى عن ذلك ابتسامة صادقة.‏

في هذه القصائد التي تتحدث خلالها أنواع مختلفة من الحيوان يذكرني شوقي حيناً بالحكم المنسوبة إلى النبي سليمان عليه السلام وبالأقوال التي اشتهرت للشاعر الحكيم اليوناني (ايسوب) وفي مرة ثالثة أتذكر خرافات الشاعر الفرنسي (لافونتين) والروسي (كربلوف)‏

استخراج النكتة من التناقض‏

وإذا كان من خيط خفي يصل بين هذه القصائد سوى الحكمة والمغزى الأخلاقي فهو ظرف الشاعر الكبير وخفة ظله واستخراجه النكتة من المفارقة والتناقض والموقف الصعب.‏

ويلاحظ القارئ بيسر وسهولة أن المكر والخبث،كانا عدوي الشاعر الأول في الحياة وكان هذا وراء أكثر من قصيدة حاول شوقي فيها أن يجسد هذين الداءين في أبشع الصور وأكثرها تنفيراً فهو في قصيدة (الصياد والعصفورة) يدبر حواراً بين الاثنين فبعد تبادل التحية تسأل العصفورة عن سبب انحناء قامة الصياد فيقول: جنتها الصلاة وكثرتها.‏

حوار الصياد والعصفورة‏

قالت: أراك بادي العظام‏

قال: برتها كثرة الصيام‏

قالت: فما يكون هذا الصوف؟‏

قال: لباس الزاهد الموصوف‏

قالت: فما هذي العصا الطويلة؟‏

قال: لهاتيك العصا سليلة أهش‏

في المرعى بها وأتكي‏

ولا أرد الناس عن تبرك‏

قالت: أرى فوق التراب حباً مما اشتهى الطير وما أحبا‏

قال: تشبهت بأهل الخير وقلت أقري بائسات الطير‏

قالت: فجد لي يا أخا النسك‏

قال: القطيه بارك الله لك واقتربت تلقطه فلقطت‏

وقالت: إياك أن تغتر بالزهاد كم تحت ثوب الزهد من صياد‏

بلابل سليمان الحكيم‏

ويتحدث أحمد شوقي في قصيدة أخرى عن البلابل التي أعطاها سليمان الحكيم إلى البوم كي يرعاها فماذا كانت النتيجة؟ أصيبت جميعاً بالعيّ، حتى إن صاحبها ود لو يذبحها لولا أن الهدهد جاء:‏

فجاءه الهدهد المعهود معتذراً‏

عنها يقول لمولاه ومولاها‏

بلابل الله لم تخرس ولا ولدت‏

خرساً، ولكن بوم الشؤم رباها‏

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *