البطالة عند الشباب.. مشكلة اقتصادية.. نفسية.. اجتماعية..

البطالة عند الشباب.. مشكلة اقتصادية.. نفسية.. اجتماعية..

البطالة عند الشباب.. مشكلة اقتصادية.. نفسية.. اجتماعية..

مجتمع
السبت 8-6-2013
ابتسام هيفا

كعادتها السيدة لبنى تغلق الباب خلفها ذاهبة إلى عملها وهي تترك في المنزل أولادها الثلاثة يغطون في نوم عميق .. تقول:

أعمل مدرسة منذ ثلاثين عاما .. حلمي كحلم كل أم أن ترى أولادها تخرجوا من الجامعة وكل في عمله ، لم أتخيل يوم أن يجلسوا أولادي مايا وزينب ويوسف في البيت وكل منهم حائز على شهادة جامعية إضافة إلى دورات الكمبيوتر واللغات التي اتبعوها وكلفتنا مبالغ باهظة كي نؤهلهم أن يكونوا ناجحين وحتى يثبتوا وجودهم في مجال عملهم.. ولكن تبدد الحلم واصطدم بعرض الحائط .. فكل يوم اخرج لعملي أوكل لبناتي القيام بالأعمال المنزلية ،وابني بتأمين بعض الحاجيات .. ومصروفهم أصبح عبئا علينا أنا ووالدهم ، وتضيف السيدة لبنى أتمنى لو يقيلوني من عملي ويضعوا أحد أولادي عوضا عني؟!‏

أما والدهم السيد غيث فيقول: أصبح التفاهم مع أولادي أمرا صعبا فجلوسهم في البيت عاطلين عن العمل أثر على نفسيتهم ، وأنا أهون عليهم الأمر مع العلم أنهما لا يتوانون أبدا في البحث الدؤوب عن عمل لهم عبر الانترنت وبرنامج تشغيل الشباب.‏

لا اشعر بوجودي..‏

تقول مايا .. عمري ستة وعشرون عاما تخرجت من الجامعة كلية التربية ـ قسم إرشاد نفسي ـ منذ ثلاث سنوات وكلي أمل وتفاؤل بأنني بعد دراسة لمدة خمس سنوات سأجد عملا .. تقدمت لمسابقة وزارة التربية ونجحت بالمسابقة ولكن لم يتم تعييني في أي مدرسة وبعد مرور سنة على نجاحي بالمسابقة فقدت فرصتي بالحصول على وظيفة.. وعندما تم الإعلان عن وظائف على الشهادة الثانوية ضمن برنامج تشغيل الشباب لم أتوانى بالتقديم لوظائف كثيرة وصرف مبالغ كبيرة مقابل طوابع وإخراج قيد ولكن لم أحظ بأي فرصة وكما يقول المثل «رضينا بالهم والهم ما رضي فينا» تمنيت لو أن كان حظي جيدا وعملت حتى ولم عقد ثلاثة أشهر وعلى شهادة الثانوية… وتضيف مايا عن حالتها النفسية أشعر أن لاوجود لي ولا في هذه الحياة فكلنا يعرف أن عمل المرء يجعله واثقا من نفسه ويملي عليه حياته وأنا حياتي أصبحت مليئة بالفراغ وبانتظار فرج الله.‏

الزواج مستقبل الفتاة‏

أما زينب فتقول: عمري ثلاثة وعشرون عاما .. تخرجت من الجامعة في العام الفائت قسم ـ تربية حديثة ومناهج ـ .. عندما رأيت ما حل بأختي وأخي وصديقاتي بعد تخرجهم من الجامعة لم يبق لي أمل بالحصول على وظيفة فقررت أن أقضي على وقت الفراغ بشيء مفيد وقمت بالتسجيل بالجامعة في كلية الحقوق ـ تعليم مفتوح ـ وإذا وجدت العريس المناسب سأتزوج وأكون عائلة تنفيذا لوصية جدتي بأن الفتاة لو وصلت لأعلى المراتب الوظيفية مستقبلها بالزواج.. وكما فعلت صديقتي التي تزوجت بعد التخرج فورا .. ويومها قالت لنا ربما أرزق بطفل وأقوم بتربيته بعيدا عن هموم الوظيفة فهو بأمس الحاجة لي .‏

استأجرت حانة..‏

يوسف يقول: أن يكون المرء عاطلاً عن العمل يعني أن يقضي نهاره في النوم ,وليله في السهر وعبث الانتظار.. ومواجهة حلم تبدد وعدنا به أبوانا غداً عندما نتخرج من الجامعة, ونجد أبواب الوظيفة مفتوحة أمامنا .‏

عمري خمسة وعشرون عاما تخرجت من كلية الحقوق منذ سنتين وأنا أنتظر الإعلان عن مسابقة تشمل خريجي كليتي وفعلا تقدمت لمسابقة تعيين قضاة ولكن مع الأسف لم أحظ بالنجاح بهذه المسابقة.. فطلبت من والدي مساعدتي ريثما أحظى بوظيفة مناسبة فاستأجرت حانة لبيع الأراكيل ومستلزماتها وتعبئة وحدات خطوط الخليوي والشغل ماشي فمعظم الشباب يلجؤون إلى الأركيلة للتنفيس عن همومهم وبسبب حالة الإحباط التي يعيشونها بسبب البطالة.. ويضيف يوسف تعرفت على زميلة لي بالجامعة وبعد التخرج اتفقنا على الزواج وهي بانتظاري حتى أجد عملامناسبا كي أتقدم لخطبتها ولا أدري ستكون من نصيبي أم لا فمستقبلي مجهول وربما يتقدم لخطبتها شاب مناسب أكثر مني ويقنعها أهلها بالموافقة ، وهذه مشكلة يعاني منها الكثير من الشباب .‏

أعاني من الاكتئاب ..‏

ـ سامية عيد خالة مايا وزينب ويوسف تقول: عمري ستة وثلاثون عاما .. تخرجت من الجامعة في عام (2000) من كلية الآداب ـ أدب انكليزي ـ وبعد تخرجي تقدمت إلى عدة مسابقات لكن لسوء حظي لم أنل شرف الحصول على وظيفة .. فقررت المجيء إلى دمشق ربما أحظى بفرصة عمل فانضممت لفريق أولاد أختي وهو فريق البحث عن عمل .. وتضيف سامية منذ أن تخرجي من الجامعة إلى الآن عملت في التدريس لمدة عام دراسي واحد فقط في إحدى القرى البعيدة في محافظتي .. ومن ثم عملت في إحدى الصحف بمجال الترجمة لمدة عقد ثلاثة اشهر فقط .. والآن أشعر أني محبطة وأعاني من الاكتئاب حيث وصلت لهذا العمر وأشعر أنني لم أجن ثمار تعبي ودراستي .. حتى قطار الزواج فاتني .. ويا ليتني عملت بنصيحة أمي ربما كنت أحقق أحلامي بأولادي .. وأقصى ما فعلته بعد تخرجي حصولي على رقم في مكتب التشغيل على أمل أن أْعمل.‏

ـ هذا نموذج لعائلة واحدة يعاني أبناؤها من البطالة .. ونجد هذا المشهد يتكرر في عائلات كثيرة فنجد واحدا في كل بيت على الأقل من أبنائها قد تخرج من الجامعة وينتظر فرصة الحصول على عمل .. فما هي آثار البطالة على الشباب؟!‏

الشباب والبطالة‏

البطالة مشكلة اقتصادية ، كما هي مشكلة نفسية ، واجتماعية ، وجيل الشباب هو جيل العمل والإنتاج ، لأنه جيل القوة ، والطاقة ، والمهارة ، والخبرة .‏

فنرى الشاب يفكر في بناء أوضاعه الاقتصادية والاجتماعية بالاعتماد على نفسه ، من خلال العمل والإنتاج ، لا سيما ذوي الكفاءات ، والخريجين الذين أمضوا الشطر المهم من حياتهم في الدراسة والتخصص، واكتساب الخبرات العملية‏

وتؤكد الإحصاءات أنّ هناك عشرات الملايين من العاطلين عن العمل في كل أنحاء العالم من جيل الشباب ، وبالتالي يعانون من الحاجة والحرمان ، أو تأخرهم عن الزواج ، وانشاء الأسرة ، أو عجزهم عن تحمل مسؤولية أسرهم .‏

آثار البطالة على الشباب ..‏

للبطالة آثارها السيئة على الصحة النفسية ، كما لها آثارها على الصحة الجسدية ، فنجد نسبة كبيرة من العاطلين عن العمل يفتقدون تقدير الذات ، ويشعرون بالفشل ، وأنهم أقل من غيرهم .‏

كما وجد أن نسبة منهم يسيطر عليهم الملل ، وأن يقظتهم العقلية والجسمية منخفضة ، كما أن البطالة تعيق عملية النمو النفسي بالنسبة للشباب الذين ما زالوا في مرحلة النمو النفسي .‏

الجانب النفسي..‏

تقول المرشدة النفسية لمى يوسف ان حالة البطالة عند الشباب تؤدي إلى التعرض لكثير من مظاهر عدم التوافق النفسي والاجتماعي، كما وجد أن القلق والكآبة وعدم الاستقرار يزداد عندهم.. إضافة إلى أن كثيراً من العاطلين عن العمل يتصفون بحالات من الاضطرابات النفسية والشخصية، فمثلاً يتسم كثير من العاطلين بعدم السعادة وعدم الرضا والشعور بالعجز وعدم الكفاءة، مما يؤدي إلى اعتلال في الصحة النفسية لديهم، كما أنهم يتعرضون للضغوط النفسية أكثر من غيرهم بسبب معاناتهم من الضائقة المالية التي تنتج عن البطالة‏

وتضيف ..من مشاكل البطالة أيضًا هي مشكلة الهجرة، وترك الأهل والأوطان التي لها آثارها ونتائجها السلبية، كما لها آثارها الايجابية، والسبب الأساس في هذه المشاكل بين العاطلين عن العمل، هو الافتقار إلى المال، وعدم توافره لسد الحاجة. إن تعطيل الطاقة الجسدية بسبب الفراغ، لاسيما بين الشباب الممتلئ طاقة وحيوية، ولا يجد المجال لتصريفها ، يؤدي إلى أن ترتد عليه تلك الطاقة لتهدمه نفسيًا، مسببة له مشاكل كثيرة.‏

ختاما..‏

وائل حداد يقول تخرجت من كلية التجارة والاقتصاد منذ سنتين والآن عمري خمسة وعشرون عاما.. في أحيان كثيرة أذهب لقضاء وقتي في جامعتي ومع أصدقائي الذين لم يتخرجوا بعد.. فكان شريط حياتي يمر علي في كل زاوية منها.. هنا جلست للمرة الأولى طالباً يكتشف معالم العالم الذي سينتشله من حمى الحاجة والعوز, هناك تحت الشجرة قلت للمرأة الأولى التي أحببتها إنني أحبها وكتبنا اسمينا على الشجرة وتعاهدنا على الزواج بعد التخرج.‏

لذلك لم أجد نفسي غريباً في الجامعة, وأنا أدخلها بعد أعوام لاجئاً من بطالتي … هناك كنت على موعد في أروقتها مع أحلامي , لملمتها من القاعات الدراسية, من المدرج الكبير فيها ,ومن مقاعد الدراسة, والسبورة التي ما زالت عصية تضج بالشخابير .. باختصار كانت أحلامي تنتظرني حارة وشهية خلف أسوار الجامعة, وكأني لم أغادر مبانيها, كأني لم أزل طالباً لا كما تقول النسب والإحصائيات ,عاطلاً عن العمل .‏

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *