مــدن الملــح.. مــن التيــه إلـى الأخــدود .. كثبــــان رمـــــل تذروهــــــا الريـــــــاح..

مــدن الملــح.. مــن التيــه إلـى الأخــدود .. كثبــــان رمـــــل تذروهــــــا الريـــــــاح..

وحدهم العرب على قطيعة مع الاستشراق والقراءات المستقبلية والرؤى، التي يقدمها المبدعون في أعمالهم، فمن المعروف أن الأدب بحقوله المختلفة، ولا سيما الرواية يقدم ملامح الحياة الاجتماعية والفكرية والسياسية لأمة ما أو مجتمع ما،

ومن خلال هذه الصورة يستطيع علماء الاجتماع أن يدرسوا تحولات كبرى في حياة الجهات التي تتناولها الرواية.‏

من هنا يمكن القول إن روايات نجيب محفوظ تشكل محطة مهمة في هذا المجال ولا سيما بدراسة التحولات الكبرى، التي مرت بها مصر وكذلك روايات الراحل عبد الرحمن منيف، ولا سيما روايته مدن الملح بأجزائها الخمسة واليوم نرانا أكثر حاجة لاستحضار هذه الرواية والوقوف عند استبصارها لما هو قادم، مدن الملح تبدو اليوم وقد صارت كتلاً اشتد يباسها ولكنه في طريقه إلى أن يذوب ويتلاشى فلا هي استطاعت على الرغم من مظاهر الطغيان المادي أن تكون مدينة ولا استطاعت العودة إلى بداوتها أو نقاوتها ولا أن تحقق شيئاً من طموحات أبنائها لقد تحولت مدن الملح إلى مستعمرات نمل مهاجر، والنمل الأصيل فيها لم يعد له مكان أبداً.‏

محطات في حياة عبد الرحمن منيف‏

ولد منيف عام 1933 في عمان بالأردن لأب من نجد، وأم عراقية كما يقولون، أنهى دراسته الثانوية في العاصمة الأردنية، ثم التحق بكلية الحقوق في بغداد عام 1952، وبعد عامين من انتقاله إلى العراق طرد منيف منها في عام 1955، مع عدد كبير من الطلاب العرب بعد توقيع حلف بغداد، فواصل دراسته في جامعة القاهرة، وتابع منيف دراسته العليا منذ عام 1958 في جامعة بلغراد، وحصل منها في عام 1961 على درجة الدكتوراة في العلوم الاقتصادية وفي اختصاص اقتصاديات النفط وعمل بعدها في مجال النفط بسورية.‏

في عام 1973 انتقل ليقيم في بيروت، حيث عمل في الصحافة اللبنانية، وبدأ الكتابة الروائية بعمله الشهير (الأشجار واغتيال مرزوق) في عام 1975، أقام في العراق وتولى تحرير مجلة (النفط والتنمية) حتى العام 1981، الذي غادر فيه العراق إلى فرنسا حيث تفرغ للكتابة الروائية، وفي العام 1986 عاد منيف مرة أخرى إلى دمشق، كان صديقاً حميماً للأديب الروائي جبرا إبراهيم جبرا.‏

صدر لعبد الرحمن منيف عدد من الروايات (الأشجار واغتيال مرزوق 1973) (قصة حب مجوسية 1974) (شرط المتوسط 1975) (حين تركنا الجسر 1979) (النهايات 1977) (سباقات المسافات الطويلة 1979) (عالم بلا خرائط كتبت بالاشتراك مع جبرا إبراهيم جبرا 1982) (خماسية مدن الملح- التيه 1984) (الأخدودة 1985) (تقاسيم الليل والنهار 1989) (المنبت 1989) (بادية الظلمات 1989) الآن هنا أو شرق المتوسط مرة أخرى 1991) (لوعة الغياب 1989) (أرض السواد 1999)، كما صدرت لمنيف مؤلفات في فن الرواية أومؤلفات أخرى في الاقتصاد والسياسة.‏

حاز على جائزة سلطان بن علي العويس الثقافية للرواية عام 1989، وعلى جائزة القاهرة للإبداع الروائي التي منحت للمرة الأولى عام 1998.‏

صوت لمجاميع البشر‏

في دراسة مهمة قدمتها مريم خلفان، ونشرتها في مجلة نزوة التي تصدر في عمان تقف عند ملامح الرواية ونبوءتها وتبدأ دراسة ذلك من العنوان، إذ تقول: كل الأحداث هي أحداث تاريخية تتم تعريتها في النص وكشف مختلف جوانبها بالحوار، بالوثيقة بالقصة تمهيداً لإعادة الرؤية.‏

نتوقف عند العنوان والعناوين الفرعية والبدايات والنهايات لنستعين بها في الدخول إلى فضاء السرد.‏

العنوان الرئيسي مدن الملح يستدعي في أذهاننا الهشاشة، وسرعة التلاشي أمام أي اختلال طفيف في مقومات وجود هذه المدن.‏

فالعنوان يعلو النص، ويمنحه النور اللازم لتتبعه وتظهر في ثنايا النص إشارات كثيرة إلى العنوان الرئيسي.‏

يقول مالك الفريج -المستشار المالي لخزعل عن مدينة فنر المزمع إنشاؤها في الصحراء والتي تعكس صورة بقية المدن-.‏

وتقول مدن الملح ترتفع وتكبر إذا جاءها الماء فش ولا كأنها قامت، أما العناوين الفرعية، فتفني العنوان الرئيسي، فعنوان الجزء الأول التيه تبدأ معه الهشاشة ويبدأ معه الضياع.‏

ونجتاز عتبة العنوان «التيه» لنفاجأ بالألفة، ألفة وادي العيون لنعرف ونخبر طعم الألفة وليتسنى لنا كقراء أن نعرفها، ثم نعرف بعد ذلك حرقة التيه واغترابه، ذلك التيه الذي سيبتلع المكان كله وليس وادي العيون فقط.‏

في الجزء الثاني «الأخدود» تدخل موران الضيقة صيغة المبالغة من «مور» بعد الأخدود، تجتاز عتبة أخرى «تقاسيم الليل والنهار» وهي عزف من ذاكرة الراوي علي كليهما عود إلى البدايات الأولى التداخل الأول مع العالم الخارجي، فشهوة المكان سيطرت على خريبط سنة بعد أخرى يزداد خريبط قوة ونفوذاً ويزداد عدد أولاده وعدد زوجاته، كما أن البلدان الأخرى المحيطة به تثير شهيته وتحرضه على أن يضمها.‏

ومع التقاء هذا بالمطامع الغربية والسيطرة وظهور النفط في المنطقة، تنتج عن ذلك كله هاشة المدن القائمة.‏

ثم المنبت وهو المقطوع من جذوره، الزائد غير المرغوب فيه تنويع على العدائية وهي عدائية المنفى الذي يتسع كل يوم ويزداد.‏

بعد ذلك نستقر في آخر الرحلة في بادية الظلمات ورغم كل هذا التحول ظلت ملامح الصحراء ثابتة، لكنها ليست صحراء فسيحة ومشرقة كما كان حالها، بل مظلمة بالخراب، الذي حل بها ومن خلال الشهادات والأصوات التي يضج بها النص ينفتح الزمن على المستقبل، كتب روبرت يونغ في مذكراته:‏

«ماذا يفعلون بناطحات السحاب الزجاجية إذا أصبحوا عاجزين عن تأمين التبريد لها؟ هل يريدون أفراناً إضافية زيادة على الجحيم الذي يعيشون فيه؟ هل يريدون مزيداً من قصائد الغبار إذا راكموا ذلك الفرش والأثاث المصمم للمناطق الباردة؟ وماذا يفعلون بهذا الكم الهائل من الأجهزة إذا عجزوا عن إصلاحها؟»‏

الراوي الكاشف‏

ترى مريم خلفان أن الراوي يكتب على طريقه كتاب التاريخ الإسلامي، وهي إحدى المميزات المرتبطة بالرؤية، حيث إن موقع الراوي وهذه المسافة التي تفصله عن التحدث تناسب بناء النص القائم على تعدد المحكي، والسماح لشتى الأنواع الحوارية بالدخول إلى النص، فيظهر النص كأنه سيرة ذاتية للمكان.‏

وبعبارة أخرى فإن المنطقة التي تحصل فيها الوقائع هي التي تروي ما جرى بلغة منتظمة متزنة هادئة تذكر بالأساليب المشهورة في روائع الروايات العالمية وتقترب، أيما اقتراب من أسلوب رواة التاريخ الإسلامي، يذكرون الكوارث تعقب الكوارث فلا تثير لهم جارحة ويبقى الكلام على حظه الوافر من الاتزان الموضوعي.‏

إلاّ أن هذه الحيادية خادعة ذلك أنه من خلال الوصف، والذي يبدو هو الآخر في بعض الأحيان حيادياً وتقريراً من خلال الوصف المبطن بالسخرية، تظهر رؤى الراوي غير الحيادية، والمنحازة أبداً للألفة يظهر ذلك وبشكل خاص في وصف الشخصيات.‏

إن رواية مدن الملح ملحمة سردية أنبأت بالمصير المحتوم لمدن ليست في أحسن الأحوال إلاّ وهماً وسراباً، ولا يستطيع أهلوها أن يدفعوا ثمن فواتير الكهرباء حين ينضب النفط، فما بالهم يبنون قصوراً من رمال لا يستطيعون أن يبقوا فيها ساعة واحدة إلا بمشيئة الآخر، الذي أتاهم بأشكال شتى وجعلهم عبيداً للصوصيته.‏

صرخ عبد الرحمن منيف بلسان أبطاله، لكن الصرخة كانت في وادٍ سحيق، واليوم نسمع رجع صداها مع زلزلة لكثبان الوهم وإن غداً لناظره قريب.‏

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *