وقد أعيوا من يتابعهم..

وقد أعيوا من يتابعهم..

ربما كانت الأزمة في سورية كاشفة لمواقف الكثير ممّن ظننا أنهم مثقفون، وهم يدعون ذلك- ظهر الكثيرون على عريهم وانتهازيتهم واهتزت الصورة التي طالما تغنينا بها… لكن مهلاًَ ألم يكن ثمة من يرى أن صورة المثقف ودوره ليسا كما يجب؟! مجلة (الوحدة) التي كانت تصدر في أواخر القرن العشرين خصصت عدداً مهماً هو(10) تموز 1985 للحديث عن: المثقف العربي بين السلطة والمجتمع.

ونرى من المفيد أن نقدم افتتاحية العدد الذي خصص لذلك لما فيها من إشارات مهمة، وكذلك جزءاً من مداخلة المفكر الراحل حافظ الجمالي.‏

أزمة تعصف بهم وتكشف زيف بعضهم‏

تتميز طبيعة أي مشروع يخطط للمستقبل بالتفاؤلية، لا يشذ عن ذلك المشروع القومي الذي يتطلع إلى إرساء قواعد أمة عربية موحدة، مهابة الجانب، يتمتع مواطنوها بالكرامة والحرية في كنف العدالة والمساواة.‏

وبديهي أن المشروع يأخذ بعين الاعتبار أن الأمة العربية تعيش راهناً زماناً رديئاً تتعمق فيه أوضاع التجزئة، وتتسع رقعة الخلافات الزائفة التي تخدم مصالح العدو الخارجي، وتستفحل مظاهر التخلف والتبعية، بل أصبحت هذه الأمة أمثولة في التنكر لماضيها الحضاري وقيمها والعبث بحاضرها.‏

يعي مناضلو المشروع القومي هذا الوضع ولكنهم لا يعتبرونه قدراً مقدراً وإنما هو حالة تاريخية مخاض ستنبثق به القوة من الضعيف والحركة من السكون، إنه تفاؤل يؤكد مصداقية الخيار القومي الوحدوي لأنه الكفيل بأن تتجاوز الأمة العربية أحوال ترديها، يساعد على ذلك التكامل الطبيعي بين أطرافها ومتانة القواسم المشتركة تاريخياً ولغوياً وقيمياً وآمالاً.‏

إنه تطلع مشروع نحو أمة تسهم في الفعل الحضاري، أمة تنتج ولا تركن إلى متعة الاستهلاك، أمة نضال يتأسس على عقيدة وأسلوب وخطة، وتقوده طليعة واعية محرضة، فهل« المثقفون العرب» في مستوى أن يكونوا هذه الطلعية؟‏

إنه سؤال محوري والحال أن(المثقفين العرب) يجتازون أزمة تعصف بوجودهم وتشوه علاقاتهم سواء مع أصحاب السلطة السياسية أم مع الجماهير الواسعة، المثقف العربي مقهور لا يقوى على مواجهة السلطة السياسية الجائرة، ولايقوى على تقويم المجتمع الذي لا يقدر السلطة السياسية العادلة حق قدرها، أمام هذا الموقف الاشكالي يلجأ المثقف إلى التعالي الأكاديمي من منظور أن كل نضالية هي ضرب من الديماغوجية السطحية الانفعالية.‏

إن أزمة «المثقف العربي» لم تعد أزمة علاقة بينه وبين السلطة والمجتمع وإنما أزمة علاقة بينه وبين نفسه من حيث إنه لم يعد جديراً بأن يحمل اسمه، فكم بالأحرى أن يكون طليعة واعية تدرك الواقع، وتتباعد عنه لتقترح بديلاً من أجل التغيير.‏

إن مساءلة «المثقف العربي» تستوجب طرح قضايا فرعية متعددة على المستويات المفاهيمية والإجرائية والتاريخية: أي طرح الاستفهامات المبدئية حول مفهوم المثقف العربي، طليعته، دوره في الحراك المجتمعي الجماهيري، مواقفه، محاسبته للماضي وللتراث سليمه وعليله، صرامته الأخلاقية، نظرته المستقبلية.‏

واضح، إذاً أن المهمة الحقيقية الملقاة على عاتق «المثقف العربي» ليست التعبير وإنما الاستنهاض، ليست الكلام باسم الضمائر وإنما الفعل المحرك لكل أجزاء الجسم الاجتماعي، ومن جراء ذلك تحول الثقافة إلى سلطة تقف في وجه ثقافة كل سلطة جائرة تريد أن تحتكر الفعل والأمر والنهي على حساب شل إرادة المواطنين وإضعافهم.‏

لسنا في حاجة لنؤكد أننا عندما نضع «المثقف العربي» موضع المساءلة والاختبار فلكي نؤسس لفعلنا الطموح إطاراً واضحاً للتحرك قطرياً بصفة مؤقتة، وقومياً وحدوياً، بصفة دائمة، لأن الوحدة قدرنا ولأنها قانون العصر، فلا مكان للكيانات الصغيرة في زمان الكيانات الكبرى.‏

إن حلقة الرباط الدراسية التي نظمت يومي 4و 5 مايو/ أيار 1985 حول «المثقف العربي بين السلطة والمجتمع» كانت توجهها الرغبة في ملامسة أولية لهذه القضايا.‏

وبحكم أن المساهمين فيها طليعة مثقفة تعاصر النضال القومي- الوحدوي، وتتحمل قسطاً كبيراً من مسؤولياته، كان المؤمل الخروج بنتائج، إن لم تكن بالقدر الكافي من العمق والوضوح، فعلى الأقل تشكل خطوة أولى نحو برنامج شامل لتعميق الرؤية صياغة الرسالة التي على عاتق المثقفين العرب القيام بها.‏

حافظ الجمالي: أخفقوا في كل شيء‏

إن كل صور الإيديولوجيا أخفقت مجتمعة أو متفرقة : فأخفقت عندنا استغنت عن التراث، وأخفقت بالقوة نفسها عندما احتفظت به. وأخفقت عندما صنّعت، وكذلك أخفقت عندما لم تصنع. وأخفقت مع النظام الديمقراطي القصير المدى، كما أخفقت مع الاستبداد المتطاول المدى. وأخفقت عندما أخذت بإيديولوجية قومية اشتراكية، كما أخفقت عندما أخذت بايدلوجية أممية ماركسية. والخلاصة، أنها لم تحقق النجاح المطلوب، لا بالدين ولا ضد الدين، لا مع الديمقراطية، ولا ضد الديمقراطية، لا مع التصنيع، ولا دون التصنيع، لا مع البرجوازية، ولا ضد البرجوازية، أفلا يعني ذلك أن المشكلة ليست في الايديولوجيا أو عدم صحتها (وكما رأينا، فإنه ما من ايديولوجية يمكن أن تقيم بمعيار السلامة المنطقية).‏

آخر ما زلنا نجهله حتى الآن؟‏

وهكذا يجد المثقف أن أمامه جملة عقائديات، متعارضة، متناقضة، على مستوى المبادىء، ويجد في الوقت نفسه، أنها حتى على مستوى التطبيق لم تف بما وعدته، فلا هي رفعت الانسان من مستوى العبد إلى السيد، ولاحققت العدالة الاجتماعية، ولا زادت مستوى الإنتاج الاقتصادي، ولا أحلت الرفاهية العامة، حتى ولا العدالة في الفقر، ولا أنتجت النهضة الموعودة. فهل من غشاوة أعظم من هذه توضع على عينيه، ،تجعله في حيرة من أمره، وتسد عليه طريق الرؤى المستقبلية؟ بل إن الأمر ليشتد عليه أكثر وأكثر، عندما يجد أنه عندما كان يبقى على المستوى النظري، كانت المثل العليا تتلألأ له، براقة، متوهجة، معطرة بكل روائح المثالية، لكنه ما لبث أن لاحظ لمثله صوراً أخرى خفية لم تكن واضحة في ذهنه، وأنها قد تكون، حتى من الوجهة النظرية، متعارضة جداً، في إطار الإيديولوجية الواحدة.‏

ولن نذهب بعيداً، فالاشكاليات كثيرة، ومن أهمها بلا ريب إشكالية الغايات الأخيرة…ترى ماذا يريد العرب من نهضتهم؟ أمجرد تقليد للغرب، أم احياء الأمجاد الماضية بما ورثناه من تراثها؟ أم خليط ، بدرجة ما، من هذا وذاك؟ ،حتى اذا بقينا على السطوح العادية للقضية، فإنه يمكن التساؤل: هل تعني النهضة مجرد التحرر من الجوع، أم شيئاً آخر غير هذا، ويضاف إليه؟ وعندئذ يبرز تساؤل آخر حول التحديات الكثيرة التي يواجهها العرب: ترى كيف نفعل لمجابهتها، وبأي المناهج، وبالاعتماد على أي ايديولوجيا، وبأي ايحاء؟ ونحن نعلم أن هذا التساؤل هو أولاً وأخيراً جوهر القضية، ذلك أنه قد يبدو لعين الإنسان أن المشكلة هي بالدرجة الأولى مجابهة التحديات التي يتضاءل، أكثر فأكثر، حلم القدرة عليها.‏

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *