هل نحن أحرار من الداخل .. ؟

هل نحن أحرار من الداخل .. ؟

مبدعون على صفحات «سوريا الناس»
الأحد 16-6-2013
حيدر حيدر

بين حين وآخر نتحدث فيما بيننا عن الحرية وعلى وجه التحديد حرية الكتابة، ومع أن النقاش يصل في حرارته درجة التشنج والصراخ، إلا أن شيئاً آخر يحدث فيما بعد، نكتشف من خلاله أننا لسنا أحراراً من الداخل.

خارج المسؤولية الكل يحكي عن ضرورة الحرية، والكل يقول بتسمية الأشياء بأسمائها لا يماشيها أو يرمز إليها، والكل يصرخ بأن وضع السكين في الجرح هو بداية التطهير.‏‏

ماالذي يحدث إذ يستلم أحد هؤلاء الغضاب الأحرار مسؤولية ما؟ ولماذا يصبح دوره العقل والرزانة والتروي والحكمة؟ ولماذا يتهدج صوته ويخفت بعد أن كان يضرب الجدران، يكاد يهدمها؟‏‏

عندما تقول كلمتك كالطفلة، وتحاول أن تعيش الحياة بمثل هذا الاندفاع والحرارة والمخاطرة، فأنت تزيل سدود التنافض مقترباً من الإنسان الأول ومن الطبيعة، الإنسان الذي تآلف مع الطبيعة فألغى الخوف منها.‏‏

هذا أنت قبل المسؤولية وبعد المسؤولية لم تعد فلماذا؟ هل أنت مشطور أساساً؟ وهل المسؤولية جاءت من الخارج أم إنها خرجت منك؟‏‏

غير الندرة لم يربوا أنفسهم ليكونوا أحراراً ومسؤولين في لحظة واحدة، وغير الندرة ليسوا مستعدين للتضحية عندما تتعارض الحرية مع المسؤولية.‏‏

في وطننا الراغب في بناء نفسه لم تتضح بعد هذه القضية والتي أعتقد أنها من أخطر قضايانا، فالانقسام الحاصل في النفس بين ما يريد الإنسان وبين ما يريده الآخرون، وهذا التراجع أمام حيثيات الخوف الجماعي، موجود في نفس الإنسان إرثاً وتربية وردود فعل والآخرون ليسوا أكثر من فزاعة يهيمن على الداخل غير الحير أساساً.‏‏

عوضاً عن تحويل الحرية في المسؤولية إلى فعل مغر، فعل استشهادي إذا اقتضت الضرورة، يحدث العكس يفقد المسؤول حريته ويتنازل عنها ليرضي خوفه من الآخرين الذين يتخيلهم قضاة يحصون عليه الأنفاس.‏‏

هذا التحول، هذا الارتعاش من رعب متخيل موروث، يفقد المسؤول الذي أصبح غريباً عن نفسه بعد أن تقمص دوراً جديداً، أنبل ما في الحياة: الطموح وتجديد معنى العالم.‏‏

عندما أكون مسؤولاً فأنا أقود والترجمة الحرفية لهذا: إنني أغير بلا مهادنة ولا مساومة، وبالطبع لن أسأل الإقطاع يوماً: هل تسمح لي بأخذ آلاف الدونمات التي تملكها لأوزعها على الفلاحين المسحوقين؟‏‏

هذه بدهية أساسية في الأمور الأخرى لماذا لا تكون الأمور كما أرادها كما ينبغي أن تكون؟ لماذا لا يسودها منطق التغيير الذي أعتنقه ولو كره الآخرون؟‏‏

إن هذه الأسئلة سوف ترتد إلى النفس، النفس التي خيل إليها إنها ثورية بمعنى الحرية والمسؤولية ، النفس التي ترى أن المسؤولية معتقل للحرية، والصحيح أساساً أن المسؤولية هي حقل التجربة لممارسة الحرية بكل معانيها: الفردية والجماعية، الاقتصادية والثقافية.‏‏

بدقة لو نلاحظ ونناقش أنفسنا في غرفة سرية: هل نحن أحرار فعلاً؟ هل نحن أحرار نسبياً؟ إلى أي مدى نحن مشطورون بين السطح والأعماق وهل نحن نتقدم أم نراوح؟‏‏

عرض هذه الأسئلة وغيرها ليس لإدانة أحد، فجميعنا مدانون بنسب مختلفة، وربما كنا أبرياء أيضاً بنسب متفاوتة، غير أن المهم هو تربية النفس ما أمكن أن نتذكر، فمرض فقدان الذاكرة هو الشائع في هذا الوطن، فقد صار النسيان هو القاعدة، والتذكر هو الاستثناء.‏‏

والذي يدفع الثمن في ختام المسرحية ذلك الذي يرفع رأسه في مهرجان قدوم الملك، السؤال أخيراً: أين الأعرابي الذي صاح في وجه الخليفة ويده على مقبض سيفه: والله لو رأينا فيك اعوجاجاً لقومناه بحد سيوفنا؟.‏‏

الأحد 4/1/1970‏‏

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *