من حصون العرب في الجولان «الصبيبة»..

من حصون العرب في الجولان «الصبيبة»..


يمتاز جولاننا الغالي بوجود كم هائل من الآثار التي ستبقى شاهداً حياً على أن جميع الحضارات قد وجدت في بلدنا سورية منذ القديم وحتى يومنا هذا والآتي من الأيام والسنين القادمات.

هذه الشواهد مهما حاول الاحتلال الإرهابي الصهيوني طمسها ستبقى حية وستعود للوطن الأم سورية مهما طال ليل الاحتلال الأسود.‏

نعود لنقول: إن جولاننا فيه الكثير من المعالم الأثرية التي تعود إلى عصور قديمة غابرة، من هذه المعالم والتحصينات التي كانوا يستخدمونها في تلك العصور القديمة «قلعة الصبيبة» التي تحدثنا عنها الكثير, لكن اليوم سيكون لنا وقفة مع ما أشار إليه الباحث تيسير خلف في كتاباته وكتبه عن تاريخ الجولان حيث يقول:‏

«إن قلعة الصبيبة تعتبر واحدة من أكبر وأفخم وأحصن قلاع بلاد الشام قاطبة, بناها العرب المسلمون في القرن السابع الهجري, لإحكام السيطرة على الأقاليم المحيطة بها من الجولان وبلاد صفد ووادي التيم وبلاد بشارة.»‏

وكثيراً ما خلط الباحثون والمؤرخون بينها وبين قلعة مدينة بانياس, التي تقع داخل البلدة القديمة وضمن سورها التاريخي كما نسبها بعضهم للصليبيين زوراً أو اعتباطاً, على اعتبار أن العرب المسلمين لم يكونوا بهذا المستوى من التطور العمراني والعسكري, الذي يؤهلهم لبناء هذا الصرح الشامخ, المثير للإعجاب والباقي على مر الدهور.‏

ويعتقد أن الصليبيين لم يطؤوا بأقدامهم هذه القلعة مطلقاً ولم تكن تحت سيطرتهم في أي لحظة من لحظات التاريخ, أما حديث المستشرقين عن وجود جدران صليبية وأخرى فينيقية, فهذا حديث خرافة لا يستند إلى أي سند أثري يعتد به، ويعود تاريخ بناء القلعة واسم بانيها الملك العزيز عثمان بن الملك العادل الأيوبي مثبت بالمصادر العربية, وترميمها كذلك وأسماء المرممين مدرجة في المراجع ابتداءً من الملك السعيد الحسن بن عثمان الأيوبي, والسلطان «الظاهر بيبرس البندقداري» وانتهاءً بالأمراء الشهابيين, بل لا يوجد في هذه القلعة أي كتابة تدل على أن شعباً آخر غير العرب المسلمين ساهموا في بنائها, والأهم أن المعطيات الأثرية تتفق إلى حد التطابق مع النصوص التي تركها لنا الإخباريون العرب حول ذلك.‏

ويشير خلف في كتاباته إلى أن المؤرخين قد أكدوا أن هذه القلعة لم تسقط مطلقاً نتيجة حصار أو غزو, وإن دل ذلك على شيء فإنما يدل على دقة اختيار موقعها على صهوة جبل شاهق المنحدرات ربما أخذت اسمها منه, ومتانة تحصيناتها التي تعتبر آية في عبقرية فنون العمارة الإسلامية العسكرية التي تعرضت للكثير من التجاهل, مقابل الإطناب في مديح التحصينات الصليبية, وتخصيص المجلدات لدراسة خصائصها ومزاياها وعبقرية بناتها.‏

أصل التسمية:‏

«الصبيبة» لغة بضم الصاد وفتح الباء, تصغير للصبة وهي جماعة من الخيل, وهذا المعنى ليس بمستغرب, فالعرب تطلق على القلاع والحصون في بعض الأحايين أسماء الخيل, مثل حصن الحبيس الذي يقع الآن في جبال عجلون, والحبيس في اللغة هو الحصان الذي يوقفه أو يكرسه صاحبه للقتال أما الصبيبة بفتح الصاد فمنحوتة من الصبيب أي الانحدار الشديد, وقد بنيت الصبيبة على صهوة جبل وديانه شديدة الانحدار كأنها جدران لاستوائها وعمق غورها, وقد زار العلامة «أحمد وصفي زكريا» قلعة الصبيبة ووصفها وصفاً جيداً, ومما قاله إن هذه القلعة العربية قامت فوق صهوة جبل شاهق ذي منحدرات عمودية صعبة يطل على بانياس من شرقها على علو 300 متر ويستند إلى الأعضاء الأولى لجبل الشيخ, واسمها الصبيبة بضم الصاد ولعله تصغير كلمة صبة التي هي بمعنى القليل من الخيل أو الإبل أو الغنم ويسميها جاهلو التاريخ قلعة النمرود اعتباطاً دون أن يعرفوا سبب هذه التسمية الخاطئة ومعناها وزمن وضعها, وتاريخ هذه القلعة مشترك مع تاريخ بلدة بانياس الذي فصلناه, وهي قد بنيت للدفاع عن هذه البلدة للدفاع عن هذه البلدة وللوقوف في وجه العدو المرتقب زحفه من أنحاء فلسطين إلى أنحاء دمشق أو بالعكس لأنها ذات موقع استراتيجي مهم يشرف على عدة طرق عامة, وقد لفت هذا الموقع أنظار القدماء فقام كل منهم في زمانه ببناء هذه القلعة وتحصينها, وكان أول بناتها والمخططين لها هم العرب, ولما أخذها الصليبيون بقوا فيها مدة قليلة بنوا خلالها بعض المباني كما فعلوا في بقية بلاد الشام أمثال حصن الأكراد والمرقب وصهيون وبزورية والكرك وغيرها, أي إن أكثر التصاميم والتحصينات والمباني عربية, وتشهد بذلك الآثار والكتابات العربية الماثلة أمامنا والتي كما قلنا ستبقى شاهداً حياً على تعاقب الحضارات في الجولان بشكل خاص وسورية بشكل عام.‏

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *