نقد أدبي .. قصة السد العظيم ..

نقد أدبي .. قصة السد العظيم ..

القصة قديمة قدم الأزل.. يشقق العطش شفاه الإنسان الضارب في العالم بحثاً عن مكان ينزل فيه متاعه..

وحالما يتعرف على المكان يبني كوخاً، ويرفع سوراً ويرش البذار فوق الأرض ثم ينتظر الغيث من السماء.. حتى إذا بخلت بعد موسم أو موسمين طفرت عيناه دماً بعد طول صلاة.. فيعتل أثاثه ويرحل من جديد في الوقت الذي يبدأ العنكبوت فيه بنسج حكاية حزينة يعزف على أوتارها الزمن المقفر..‏

وتلك التجربة علمت هذا الإنسان أن لا يثق كثيراً بالسماء… وكان أن رمى رحاله عند أول نهر غزير المياه.. بعد أن قال:‏

– لن أعطش بعد اليوم وسوف يكون بإمكاني أن أبدأ من هنا وبالفعل يدق أوتاد خيامه بعد أن يودع حياة الرحّل وبعد أن يعلق في صدر بيته عصا الطواف..‏

وكانت أمامه مهام جديدة لأن لعيون الحياة المستقرة وجوهاً لا يراها من تعود على التسكع الدائم..‏

وهكذا كان.. لم يكن العنكبوت هذه المرة السيد الأخير.. فثمة أطفال يولدون مع الصباح.. وفي العشيات يعزف الرعاة نشيد العودة إلى النهر الذي يهب الحياة والأمن أن يتكاثروا ويمدوا جذورهم في الأرض الواسعة.‏

وتلك الخبرة الجديدة علمت الأجيال الوافدة أن يثقوا بالنهر فاندفعوا إلى الكشف عن أسرار العالم التي تحملها الشمس إليهم مع اشراقة كل صباح..‏

أثناء ذلك ظهر الغزاة فاضطروا لبناء الأسوار وصد هجماته.. وظهر أيضاً السحرة الذين قالوا لهم:‏

– لقد حلت عليكم لعنة الآلهة منذ أن أبطلتهم: النظر إلى السماء.‏

وسألوا:‏

– وماذا نفعل؟‏

– عليكم بالصلاة.. لأن الصلاة تطهر الأجساد والرؤوس من الأثام.‏

وكان أن ذهب الفتيان إلى الحرب وترميم الأسوار ودلف الشيوخ إلى المعابد للصلاة والتطهير من لعنة الآله.‏

وفي تلك السنة لم يزرع أحد.. وكان الزؤان الذي يطعمون منه يخلف أثار المرارة في أفواههم الجائعة..‏

وهكذا كان الحصاد، علقماً ومياه تهدر في البحر.. وسحرة ينصحون الرعية بتعذيب الجسد..‏

ومرت أعوام القحط.. ويبست جذور الناس وبدأت الصحراء تزحف صوب الاخضرار.. واستيقظ العنكبوت.. وتهيأ لعزف الأغنية الحزينة التي يعزف على أوتارها الزمن المقفر.‏

وأخذ الشعب يتساءل:‏

– ترى أما من خلاص؟ أن العدو يتهددنا كل لحظة وأرضنا مشققة وكذا شفاهنا.. أما النهر فيسير دون هدف إلى البحر.. ما العمل.. ماالعمل؟‏

وتحول الهمس إلى نقمة.. وولدت النقمة الثورة.. قال السحرة:‏

-احذروا لعنة الآلهة.‏

ولكن الثورة تؤمن بالعمل.. وكان للشعب صوت حار:‏

– لن نتحرر من العطش والعدو ونحن جياع وأرضنا يباب.. ولابد أن نرفع الماء من النهر ونوصلها حتى الأسوار..‏

قال البعض:‏

– إن الأسوار بعيدة.. ومن الصعب أن نوصل مياه النهر إليها..‏

وقال الشعب:‏

– حسناً.. سنرفع السد فوق النهر ونترك المياه تسقط فوق الوطن كالشلال..‏

وعادت الخضرة تموج في عيون الحياة..‏

وكانت قصة عمل فرحة بطلها الشعب من جديد.‏

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *