التجريب السوري بين الريادة … والتعثر!!..

التجريب السوري بين الريادة … والتعثر!!..

التجريب السوري بين الريادة … والتعثر!!

مسرح
الثلاثاء 2-7-2013
يمتاز المسرح التجريبي بتجاوزه لكل ما هو معلب وسائد ومتوارث والايتان بالجديد واختراق الثوابت.. وتجاوز الخطوط الحمراء البنيوية والشكلية من خلال (جسد، فضاء، سينوغرافيا) وعبر إلغاء سلطة النص وأخضاعه للتجريب والتخلص من الفكرة ليقدم حالة فنية وليس أفكاراً أو ترجمة حرفية للنص وبالتالي خلق فضاء أوسع للأداء.

كما توظف الإضاءة والحركة والرقص على حساب النص المخرج هو المحور في العمل والممثل هو أداة والسينوغرافيا هي البطلة.‏

ويبقى السؤال أين المسرح التجريبي في سورية من هذه الخصائص وهل أسسنا لهذا المسرح ومن هم رواده في سورية.. وأين هو الآن؟!‏

أثمر اللقاء بين المخرج فواز الساجر والمسرحي سعد الله ونوس عام 1976 عن إنشاء المسرح التجريبي بقرار من وزارة الثقافة السورية بعد تعيين فواز الساجر مخرجاً له وسعد الله ونوس مديراً ومشرفاً على عروضه المسرحية، وصالة القباني مكاناً تعرض فيه العروض التجريبية، وكان أول عرض قدم باسم التجريب المسرحي «يوميات مجنون» عن نص للكاتب الروسي غوغول، إعداد ونوس وإخراج الساجر.‏

بعد ذلك جاء عرض «رحلة حنظلة من الغفلة إلى اليقظة» اقتباس الراحل ونوس عن نص للكاتب الألماني بيتر فابس وبعدها جاءت ثلاث حكايات، حكاية ضربة الشمس، حكاية صديقنا سانشو، حكاية الرجل الذي صار كلباً للكاتب الأرجنتيني أزوالدو دراكون.‏

حاول مدير المسرح التجريبي وقتها استضافة عروض مسرحية سورية (محلية) وعربية لتقديمها ضمن إطار التجريب المسرحي الذي كان في بداية ظهوره لكن هذا المشروع لم يكتب له النجاح رغم المحاولات الجادة لكل من الراحلين فواز الساجر وسعد الله ونوس لإرساء دعائم وتكريس مسرح تجريبي سوري خاص.‏

تركت العروض الثلاثة (التيحية) والتي عرضها المسرحيان الكثير من التساؤلات حول المعنى الحقيقي (للتجريب) وتعود أسباب توقف هذه الحركة لعدم توفر الشروط الملائمة والإمكانات المعرفية الصحيحة ما أحدث حالة من الالتباس حول المعنى الحقيقي للتجريب المسرحي الذي كان متأثراً بشكل واضح بالتجارب الأوروبية غير الملائمة لواقعنا المحلي.‏

كما انحصر المعنى الحقيقي للتجريب عند المسؤولين عنه بتكوينه تدريجياً أثناء العمل على الخشبة دون وجود قواعد وأسس ثابتة له.‏

ففي أوروبا المسرح التجريبي هو في معظم الأحيان بحث شكلي ونخبوي يرمي إلى شق ثغرة في الطريق المسدود الذي وصل إليه المسرح هناك ،أما بالنسبة لنا فالتجريب يعني البحث عن المسرح الذي يلبي حاجاتنا الثقافية والتاريخية ما يعني خلق مسرح أصيل وفعال في المناخ السياسي والاجتماعي الراهن… وأكد القائمون على الواقع المسرحي في نقدهم لهذه التجربة: كنا نحلم بتجربة مفتوحة تتحقق مع جمهورها الحقيقي متنامية كل مساء، لاشيء ثابتاً وله تعريفه الجاهز لا الكتابة الدرامية ولا طرق تدريب الممثل، لا مكان العرض، إن العمل المسرحي يصبح بهذا المعنى مجرد احتمالات تتبدل وتصوب وفق العلاقات الحية مع متفرج بالذات.‏

أراد المسرح التجريبي في سورية تحقيق معادلة صعبة تتلخص بكسر الإطار التقليدي للعرض المسرحي ومحاولة الوصول إلى الجمهور بلغة مسرحية جديدة (المتعة والفائدة) ولتحقيق ذلك تم إلغاء الخشبة وفي عرض «ثلاث حكايات» راح الممثلون يؤدون أدوارهم بين الممرات وكراسي المتفرجين عبر إعداد صيغة للنص الأصلي تلامس المتلقي، ويشرح الساجر هذه المحاولة بقوله: «في هذا العرض ألغينا خشبة العرض، هل هو تجديد شكلي أم فزلكة»؟‏

يقيناً لا، فمشكلة المكان المسرحي هي واحدة من المشكلات التي وجدنا ضرورة معالجتها في سياق عملنا التجريبي، إن هندسة مسارحنا التي نسخناها عن نموذج واحد من نماذج المسرح الأوروبي تشكل عائقاً أمام تكوين علاقة حارة وفعالة بين الفرجة والمتفرج، بين العرض والجمهور، وإذا كنا نريد أن نقتبس ونعمق تقاليد الفرجة لدينا هذه التقاليد التي تتيح للمتفرج تفتحاً، فإن علينا أن نهدم البناء المسرحي من جهة ونبحث عن علاقة تشكيلية جديدة بين الممثل والمتفرج.‏

توقف المسرح التجريبي عن تقديم عروضه عام 1981 بسبب سفر الساجر لاستكمال دراسته لكنه أوجد مع زميله ونوس قواعد أساسية لمفهوم التجريب المسرحي الملائم للبنية الثقافية للمجتمع السوري.‏

لم تنقطع العروض التجريبية بل عادت بعودة الدارسين للفن المسرحي من أوروبا وأميركا، ولينقلوا ابتكارات ونظريات حديثة مع بداية الثمانينات وساهمت العروض الزائرة العربية والأجنبية في المهرجانات بتقديم تطبيقات عملية للتجريب المسرحي.‏

قدم المسرح القومي تجارب إخراجية لمخرجين شباب وشاركوا في مهرجان القاهرة التجريبي الذي كان قد سبقه المسرح التجريبي السوري بعشر سنوات وتمكنت المخرجة الشابة رغدة الشعراني في عرضها «شوكولا» وعبد المنعم عمايري بعرضه «فوضى» من الحصول على جوائز مرموقة وحضوراً عربياً متميزاً رغم اعتمادهما على الإبهار البصري.. ورغم انتقادات عن غياب الحوار الذي جاء على حساب السينوغرافيا.. والحركة والضوضاء.. ودخول الحركة التجريبية للمسرحية مؤخراً في لعبة الألوان وزغللة عين المتفرج محاكاة لهيمنة التلفزيون، وتقليده.. إنها حكاية حزينة ومربكة أن يتأثر مخرجونا بلعبة التقنيات على حساب المضمون..‏

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *