مسرح العبث.. حقائق صادمة.. وتجارب ناجحة ..

مسرح العبث.. حقائق صادمة.. وتجارب ناجحة ..

 

مسرح العبث.. حقائق صادمة.. وتجارب ناجحة

مسرح
الثلاثاء 2-7-2013
آنا عزيز الخضر

جسد عالم الأعمال الإبداعية في المسرح على الدوام المرآة الحقيقية، التي تعكس الواقع الإنساني بكل حالاته وتجلياته وتحولاته، فكان لكل إبداع طابعه الخاص ومقدرته في التصدي للمعالجات المختلفة، فتنوعت الأساليب والمدارس إلى أن وصلت إلى مسرح العبث،

الذي أبدع في معالجة عالم اللامعقول الذي يعيشه إنساننا الحالي، حيث تتشابه المصائر الإنسانية، مهما تعرجت الطرق، أو تلونت الأساليب وتنوعت المأساة، فالمصير واحد ونقطة النهاية واحدة، حيث تغلب بين تفاصيله أسئلة وجودية عميقة، ترتبط بالمصير الإنساني، وقد ساد هذا المسرح عند غلبة التوجه العبثي في الحياة ، فكان لابد للمسرح من أن يمثل هذه الحياة وشكلها الجديد.‏

فأكثر من تصدى لتصوير حالاتها، هو مسرح العبث كونه صاحب ثورة فنية، تمكنه مفرداته الخاصة من الإعتاق من أجواء المسرح التقليدي وأساليبه الدرامية الصارمة، لينطلق دون حدود بمفارقاته وتناقضاته التي تشكل الأساس الدائم، الذي يرتكز عليه هذا اللون الفني، ذاك الذي يمنح الآفاق المفتوحة، حيث تنطلق منها التصورات والأفكار والاقتراحات القادرة على بلورة تلك الفكرة الحرة، التي تنقل عوالم إنسانية، تصل إلى كل الحالات المخفية وتجلياتها، كما انفعالاتها وتفاعلها مع الواقع، مبرزة الأفعال ـ الردودـ والتي تنطلق على سجيتها وعفويتها دون حواجز أو قيود، فتكشف الخبايا مهما كانت صادمة، هذا هو مسرح العبث الذي لايعنيه الأسباب المنطقية التي توجه المجريات الدرامية، بقدر ما تعنيه تصوير الحقائق الإنسانية المعيوشة، المتداخلة والمتشابكة مع الواقع، والتي تجسد النتائج في نفس الوقت التي تربط الإنسان مع مخرجات ومفرزات الواقع بكل ألوانها وقسوتها، هذا ما يهتم به مسرح اللامعقول، وهذا ما انطلق منه عرض (ألعاب السكون الأخيرة) إعداد وإخراج: (موسى الأسود) على صالة مسرح الحمراء بدمشق، والذي أنتجته وزارة الثقافة ـ مديرية المسارح والموسيقا بدمشق ـ المسرح القومي.‏

وقد هيأ المخرج لعرضه مجموعة من المعطيات البنيوية الخاصة والعناصر الفنية، كي تخدم فكرته ومضمونها بالشكل المطلوب، وأقحم ذلك عبر نسيج مسرحي متداخل بإتقان لأكثر من عالم تصب تفاصيله ومفاصله في التأطير لحالة إنسانية، تلخص الكثير من الأسئلة العميقة، وقد قدمت بأسلوب مسرحي خاص، شارك في صياغته أكثر من أسلوب وتوليفة ،كله تكامل وتوأم مع تفاصيل العملية المسرحية، ليقدم الفنان (موسى الأسود) إبداعه الجديد.‏

حيث استند العرض على نصوص مسرح عبثي، كما ادخل عليه افتراضات فنية جديدة، دعمت ذلك العرض التجريبي، وقد استطاعت المعطيات، أن تعادل ذلك العبث بامتياز.‏

توغل العرض وتعمق في حياة الإنسان لينقل سمة فنية، التصقت بعالم مسرح اللامعقول، توسل على الدوام التجاوز للمنطق المألوف كما الغوص باندفاعية لا حدود لها إلى أعماق النفس البشرية، وهذا المنطق تحديداً عرفناه ذهنياً في الشكل الأنموذج عادة في الشخصيات أو الحالات أو الحاضر عبر الالتزام بالحالة المنطقية المثلى بالحياة، وكل هذا نراه بأم أعيننا أنه يتعارض مع وقائع حقيقية، حيث دخلت المتغيرات كي يتحول عالمنا المكتسب إلى عبثية في كل ملامحه.‏

وهذا ما تجلى عبر تفاصيل عمل (ألعاب السكون الأخيرة)، إذ استطاع القبض على مفردات وعوالم هذا المسرح، الوحيد القادر على نقل عبثية واقع إنساننا الحالي، كما تصوير عدم جدوى محاولاته المستمرة والمصرة على الفعل والتأثير جنبا إلى جنب، نكوصه الدائم، ثم العودة إلى الخلف.‏

زاوج العرض بين أكثر من نص مسرحي ،الأول نهاية اللعبة ل (صموئيل بكيت) و(ماجدة والمائدة) للكاتب البولوني (أندجي ماليشكا)، كما دعم ذلك الشكل الإبداعي الخاص، بالتقابل ما بين المشاهد المسرحية المتضافرة حول مغزى واحد، حيث التركيز على القواسم المشتركة المبتغاة، ومن جهة أخرى كانت المشاهد السينمائية، لفيلم (الجدار) الذي أخرجه (ألن باركر)، والذي تتلاقى الكثير من مجرياته مع لب فكرة العرض، حول عدمية أثر الفعل أو المحاولة والسعي، في عالمنا المعاصر، والمصير واحد، يتلاقى عنده الجميع، ففي العرض يبدو الروتين والملل والقلق وعدم جدوى أو انسجام، ظهرت عبر أكثر من شخصية في العرض من (هام) إلى (كلوف) الخادم الملول إلى ماجدة المرأة التي تستمر في نسج علاقتها مع طفلها الميت بطريقة مؤلمة، إلى الشخصيات الأخرى مع التركيز على أكثر من حالة، ليؤكد من ولفها ومن ألفها، أنه وإن اختلفت الطرق، فإن المحطة الأخيرة هي ذاتها والجميع له عذاباته في عالمنا المعاصر، مما يفترض الاهتمام بذاك الإنسان الذي تتلون عبثية حالاته وعدمية آفاق خلاصها.‏

لم يوفر المخرج (موسى الأسود) في تجربته الإخراجية المتميزة تفصيلا فنيا، يمتلك إمكانية بلورة حالات عرضه وإضاءة دواخلها كما محيطها وواقعها، إلا وحاول استثمارها، إن كان عبر العناصر المسرحية الأخرى، أم عبر الاعتماد على مؤثرات فنية موسيقية، أم ديكور معتم وغيرها، كما التوظيف لوسائل ثقافية أخرى، مثلما حصل عند استخدام المادة الفيلمية، التي أضافت فضاء آخر، حقق التكامل مع طروحات العرض، ولفت النظر إلى عزلة الإنسان واستهلاكه والدليل بناءه لذلك الجدار التخيلي الذي يفصله عن الاخرين من جهة، ومن جهة أخرى فإن حضوره يؤكد على عمومية الحالة.‏

لابد من الذكر بأن عناصر العرض الأخرى من موسيقى وديكور وإضاءة عمقت الأحاسيس بشكل كبير بالحالات المطروحة ومشاعرها كما هو الانتقال من حالة إلى حالة، حيث وظفت بشكل فني مدروس، ساهمت بالكثير من الإيحاء، كما الرسم للمشهد الأوضح بأبعاده المرجوة فنيا كما دراميا.‏

شارك في التمثيل (أسامة تيناوي) (محمد مصطفى) (داود الشامي) (ندى العبد الله) (تماضر غانم) (خوشناف ظاظا)،العرض سينوغرافيا (حسن الشيخ صالح)، إضاءة (نصر الله سفر) ماكياج (منور الخطيب)، رقصات (محمد طرابلسي)، موسيقى :(جوان قرة جولي).‏

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *