تراثنـــــا هـــو نحن..فكيــــف نحافــــظ علــــى ملامحنـــــا..؟

تراثنـــــا هـــو نحن..فكيــــف نحافــــظ علــــى ملامحنـــــا..؟

تُراثنا هو نحنُ.. بعاداتنا وطقوسنا وملامحنا.. بطعامنا وشرابنا وبيوتنا وتنوّع العطر في أزهارنا.. بأوابدنا وحضارتنا وثقافتنا وفنوننا, وبكلِّ ما جعلَ منا, أمّة من الصعبِ اقتلاعها من جذورها وتركها تنمو كما يشاء العابثين بالقدر..

أمّةٌ.. هي بعض ما تركهُ الآباء والأجداد ودلَّ على تاريخهم وسلوكهم وحكمتهم.. الحكمة التي ترعرعنا على ما فيها من سحرِ الحكايا وبلاغة الأمثالِ والعبرْ..‏

لأجلِ كل هذا, ولأنَّ تراثنا هو الهوية التي تشي بمن نكون, علينا التساؤل عن كيفية الاستمرار في استلهام هذا التراث, وعن كيفية التمسك به والحفاظ عليه, وبكلِّ ما يدلُّ علينا ويرتقي بنا ويحتويه؟..‏

شمس الدين العجلاني – كاتب وباحث:‏

توجيهنا إلى ثقافةِ.. الاهتمام بالحجر‏

لقد ذكَّرتني هذه الأسئلة بمقولة «التاريخ يعيد نفسه».. فما يحصل الآن من سرقاتٍ وتدميرٍ لتراثنا وآثارنا, كان قد حصل سابقاً لكن, مع اختلافِ الأدوات والأشخاص الذين قاموا بالسرقة أو الاعتداء ومحاولة التدمير..‏

كل ذلك ولا أحد في العالم يحرِّك ساكناً.. لا أحد يهتمُّ إن أصبحنا بلداً دون تراثٍ أو ماضٍ أو حضارة.. لا أحد يهتم حتى وإن كان المقدَّس مما يُسرق ويُنهب ويُدمر يعنيهِ لطالما, كل ما بات يعني العالم طمسُ وجودنا كأمةٍ لا يمكن لحضارتها أن تُطمس لأنها التاريخ بحدِّ ذاته..‏

كل يوم سرقاتٌ ونهبٌ وتصديرٌ إلى حيثُ أعداء الحضارة السورية.. كل يوم فتكٌ وتخريبٌ وتدمير, ولأوابدٍ كيف باستطاعتنا استعادتها بعد أن رحل مشيِّدوها ولم يعد بالإمكان إعادتهم ليرمِّموا أو يجسدوا شبيهاً لقيمتها الحضارية..‏

أذكر مثالاً, وبغضِّ النظر عن آلاف مانُهب في حلب ورُحِّل إلى تركيا, وبيدِ الأيادي الغائرة في جهلها وإجرامها وانجرارها وراء دونية مُستأجريها.. أذكر مثالاً وأتساءل: «كيف بالإمكان استعادة صرحٍ كصرحِ الشهيد البطل «يوسف العظمة» الصرح الذي هدمته العصابات المسلحة أثناء ضربها للأركان, والذي ربما لا أحد يعرف بأنه يعود إلى عام 1938 ولقد شُيِّد في البرازيل على يدِ مغتربين سوريين سرعان ما نقلوه إلى وطنهم..‏

حتماً, لا يمكن استرجاع ما سُرق ونُهب ودُمِّر لكن, علينا المحافظة على ما تبقى من تراثنا وآثارنا.. تماماً مثلما علينا المحافظة على ما تبقى من ثقافتنا وأخلاقنا وأرواحنا.‏

أما مسؤولية ذلك, فتقع بالدرجة الأولى على الحكومة والمعنيين بالتراث.. عليها توجيهنا لأننا لم نترب على ثقافة الاهتمام بالحجر..عليها أن تعيد تدريبنا على معرفة قيمة تراثنا وثقافتنا وصروحنا.. نحن الأفراد المعنيين أيضاً بهكذا مسؤولية, والذين لم نترب على مناهجٍ دراسية تضعها أي حكومة من الحكومات المتعاقبة, وتحتوي قيماً تجعلنا نُدرك بأن حفاظنا على تراثنا وحضارتنا يعني حفاظنا على وجودنا وهويتنا.‏

يولا بهنسي – أديبة وشاعرة:‏

تسليط الأضواء على.. المعنيين بتراثنا‏

التراث, هو جملة ما في الحضارة من أشياءٍ إيجابية يشتهر بها أي مجتمع, وتكون محصلة أفكار ذلك المجتمع.. هذه الأفكار قد ينتابها بعض من الجهلِ وبعض من الخرافة وجزءٌ من العلمية المحتّمة والأفكار المطلقة..‏

كافة الشعوب تتفاخر بتراثها على الرغم من بعض السلبيات أحياناً, وإجمالاً, هي تُعبِّر عن ذلك التعايش الذي كان منذ أعوام طويلة, وتستطيع استخلاص عبرة من خلال ذلك التراث. أيضاً, تُطلق أحكاماً عامة للسلمِ, للحق, للخير, وعبر النتائج المسلَّمة التي تأخذها من آثار ذلك التراث.‏

لكن, وعندما نذكر تراثنا كأمّة.. عندما نذكر صفاتنا النبيلة.. شهامتنا العربية.. كرمنا وآثارنا, وسوى ذلك مما يدلّ على وجودنا الحقيقي, لابدَّ من أن تشوب الحاضر بعض المعتقدات السلبية عن ذلك التراث, وستلوث الحروب كل تلك المعتقدات.. كل تلك الأفكار الجميلة, لتجعل من تراثنا وهماً.. سراباً.. شراً.. قتالاً واقتتالاً..‏

إذاً.. كيف سنستطيع حماية أنفسنا من تلك الهجمة البربرية؟.. ربما عن طريق بعض وسائل الإعلام, وربما عن طريق بعض النشرات اليومية عبر الصحف والمجلات التي تتقصَّد رؤية ذلك الماضي بوجهٍ مشرقٍ حديث, كأسطورة جميلة قد ولَّت عنا, ونتمنى لو نعود إليها.‏

المسؤولية الكبرى لا تقع علينا كأفرادٍ, وربما تقع على القادة ولا أقصد بالقادة, أولئك الذين يقودون الحروب أو البلاد.. يجب أن يكون هناك في أوطاننا, قدوات حقيقية تتمثّل لنا عن ذلك الإرث, كإمامٍ ديني لكن, إمام حقيقي للحضارة والثقافة. وهنا يجب على الدولة التي تُعتبر بحق, الراعية الأساسية للمبادئ العريضة, تسليط الأضواء على أولئك المعنيين بنشر ثقافتنا والمشرق من تراثنا. عليها تسليط الأضواء عليهم تماماً كأبطال السينما الذين نحتفي بهم كل يوم ونتقمّص وجوههم وأشكالهم..‏

لكن.. كيف؟.. نعود لنقول بأن للحضارة دورٌا كبيرٌا في سلمِ الشعوب وفي تعريفها بحقيقتها الإنسانية, وابتعادها عن أي هجمة بربرية.. لا نستطيع أبداً أن نتغنى بتراث وحضارة دون أن يكون هناك قدوة لهذه الحضارة.. يجب أن نرفع من قيمة هؤلاء الذين أسهموا في حضارتنا, وأن ندعم كل شخصٍ جديدٍ يساهم في إغنائها..‏

لنعتبر هذا الشخص بطلاً كما أبطال «آرب آيدل».. فلماذا كُتب أن يكون بطل هذا البرنامج مغنياً لا مثقفاً أو عالماً أو باحثاً أو ربما ناشراً للسلمِ.. أنا لا أطعن في قيمة المطربين وأثرهم على الحضارة لكن, لماذا لا نتشعب.. علينا أن نعلم أن الإرث الحقيقي للإنسان في ثقافته وفي دعم أمته له, ليكون دائماً مشرقاً ويتطلع إليه الكثرة من الجماهير, ولا نستطيع أن نجعل لأولئك الذين يعملون بجدٍ هوامش بعيدة عن أرض الواقع ومستضعفين… لا نستطيع في حالِ تهميشهم, أن نتخذ منهم أي قدوة لا في الماضي أو الحاضر أو حتى المستقبل..‏

بشير زهدي – باحث في الآثار:‏

مسؤوليتنا جميعاً.. ووفق أسس منهجية‏

في التراث, جذورنا العرقية والحضارية والثقافية, وكل أمة تفخر بتراثها لأن في التراث هويتنا الحضارية, ولا يمكن أن نتخلى عن التراث لأن في ذلك تخلي عن حياتنا وموقعنا العالمي..‏

كل أمم العالم الواعية تحافظ على تراثها, ولاشكّ أن سورية حقَّقت في القرن العشرين أموراً كثيرة, منها تأسيس مجمع اللغة العربية 1919 للمرحوم «محمد كرد علي» الذي أسس ديوان المعارف المؤلف من عدة شعب, منها شعبة الآثار, ولأن «عبدو كحيل» كان يومها يهتم بالآثار, فقد كُلِّف برئاسة لجنة الآثار..‏

أيضاً, قامت العائلات الكريمة في تلك الفترة, وعندما سمعت بتأسيس هذا المتحف, بتقديم هدايا أثرية وتراثية شكَّلت نواة مجموعات المتحف الوطني بدمشق, ولما توّج الأمير «فيصل بن الحسين» ملكاً على سورية في الثامن من آذار عام 1920, سُمّي هذا المتحف «المتحف الملوكي» وقد عُيِّن مديره «محمود وهبي».‏

أما عن كيفية الحفاظ على آثارنا وتراثنا, فلا شك أن المسؤولية تقع على عاتقنا جميعاً, فالأمة التي تفرِّط بتراثها, تفرط بوجودها ومكانتها, والأمم الواعية تحرص على إبقاء هذا التراث والحفاظ عليه, ووفق أسس منهجية سليمة.‏

بالنهاية, التراث هو هوية حضارية للأمة, ودون تراث لا هوية لها.. لا حضارية ولا فكرية ولا حتى إنسانية..‏

في النهاية..‏

وبسببِ ما يتعرَّض له الوطن السوري من اعتداءاتٍ وحشية وبربرية.. أيضاً, بسببِ كل المحاولات التي تهدف إلى إخضاعه وتمزيق حاضره وماضيه وما بينهما من حضاراتٍ كانت ولا زالت وستبقى الشاهدة على أن سورية هي أرض السحر والأبجدية.. بسبب كلِّ ذلك, علينا جميعاً.. أفراداً ومؤسسات ومعنيين, السعي ما أمكن للتمسكِ بتراثنا والحفاظ عليه..علينا امتلاك الكثير من الدراية والوعي, بأنه كل ما نملكه.. ثقافتنا.. حقيقتنا.. كرامتنا.. حضارتنا.. هويتنا.. ثروتنا.. وسوى ذلك مما أدهش العالم الذي ما أكثر ما تكالب وحوشه لتمزيق وجودنا وبنهبِ تراثنا أو تدميره وطمس كلِّ مانملكُ ويدلُّ على تميزنا وتفوق حضارتنا..‏

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *