لا نظيــــــر لــــه.. فهـــــل نحميـــــه ؟!!

لا نظيــــــر لــــه.. فهـــــل نحميـــــه ؟!!

إذا كان لكل أمة تراث تعتز به، فإن تراث سورية عميق الجذور ومرتبط في الأصالة والحضارة… فسورية ورثت عبر حضاراتها المتعاقبة تراثاً ثقافياً لا نظير له، ووجود مجموعة من المواقع الثقافية والأثرية السورية على لائحة التراث العالمي دليل واضح على مساهمة السوريين في بناء الحضارات وتواصلها مع الثقافات الأخرى.

ومن هنا فمن الواجب علينا أن نسيّج تراثنا ونحميه ونصونه من الضياع… لما له من أهمية ودور ملموس في النهوض بالحياة الفكرية والفنية والإبداع والابتكار.‏

المرجة: (هوية أجيالنا القادمة)‏

الأديب د.نزار بني المرجة قال: بداية لابد من القول أن التراث هو نتاج تراكم حضاري للقيم، ومنجزات إبداع العقل والفكر الإنساني للأجيال المتعاقبة ولأمتنا عبر آلاف السنين وهو في محصلته يشكّل ما يمكن اعتباره الهوية الثقافية والحضارية للأمة، ويجب النظر إليه على أنه متواصل عبرنا إلى الأجيال القادمة.. (وهذا ما ينبغي عليه الحال في حال رغبتنا لحمل هذه الرسالة وإيصالها بأمانة للأجيال القادمة) ليس بوصف التراث ككتلة جامدة لذلك المنجز بل بوصفه حالة ناجمة عن التفاعل والتمازج مع حضارات أخرى عبر التاريخ وكان أن أكتسب من جهة خصوصيته صفة الاستمرارية من أجدادنا لآبائنا،وعبرنا نحن يجب أن ينتقل إلى الأبناء فالأحفاد.‏

وهنا أقول إن المسألة الأكثر أهمية -ربما بالعلاقة مع تراثنا الثقافي- تكمن بالتأكيد على خطورة تبني فكرة أو قناعة تؤدي إلى قطع العلاقة كلياً مع التراث.. وتتجلى خطورة وتبني مثل هذه القناعة بفقدنا لهويتنا الثقافية وتفريطنا بها، فعند فقد الهوية الثقافية قد يصبح كل شيء بحياتنا تابعاً للآخرين وهذا يعني -بعبارة أخرى- سقوطنا في مهاوي التبعية والذوبان في مشاريع وخطط تنطوي على إلحاقنا بمسارات غريبة وهذا يعني ببساطة محو وجودنا وملامح عروبتنا بشكل كامل.‏

وبالتالي نحن مدعون لاستلهام إيجابي في موروثنا الثقافي بشكل نحافظ فيه على الخصوصية من خلال عملية مزاوجة بين التراث والمعاصرة، تماماً مثلما يفعل الفنان التشكيلي أو المصور الضوئي عندما يقوم بتسليط الضوء على تفصيل و جزء من تراث ما، ينطوي على إضاءة قيمة جمالية تحمل بصمات ذات خصوصية لذلك المنجز الحضاري أو الغني لأسلافنا.. أو مثلما يقوم به أديب ومحقق يُحسن اختيار مخطوط علمي أو أدبي قديم ومهم لكنه مهمل في زاوية أو رف أو درج في المكتبات العربية والأجنبية التي تحتفظ إلى الآن بمئات الآلاف والمخطوطات العربية الغير محققة والتي مازال قسم منها مجهول المحتوى حتى الآن (هذا فضلاً عن ملايين المخطوطات ربما التي كان مصيرها الحرق والغرق والإتلاف عند سقوط الأندلس وبغداد على سبيل المثال)والآخرون يكرسون مخزونهم التراثي الإيجابي منه أو السلبي ولو من باب التوثيق (بل إنهم يقومون بسرقة تراثنا ونسبه إليهم إذا أمكنهم ذلك وهذا الأمر مثبت من خلال الكثير من الوقائع !!).‏

ونحن مازلنا حتى اليوم لا نولي مسألة التوثيق أو إيجاد نوع من التواصل الجمالي مع تراث ولو عبر الإسقاط التاريخي أهمية تذكر… وبالتالي نحن خسرنا ولازلنا نخسر الكثير من مخزون تراثنا دون الانتباه إلى ما تمثله حقيقة انقطاعنا عن التراث من خطورة كبيرة وفي شتى الميادين على هوية أجيالنا القادمة.‏

الحسن: (تراثنا إشكالي)‏

الأديب أيمن الحسن قال: عبر الوجود الإنساني لاشيء خارج قانون الجدل، بمعنى بسيط أن لكل شيء وجهين إيجابي وسلبي، مثال اكتشاف الذرة فيمكننا بواسطة مفاعل صغير توليد الكهرباء وإضاءة مدينة كاملة بنور بهي، مع ما يستتبع ذلك من نهضة صناعية وزراعية وسواها. كما تستطيع قنبلة ذرية تدمير مدينة هوروشيما أو ناغازاكي وقتل مئات الآلاف من اليابانيين كما فعلت أميركا في نهاية الحرب العالمية الثانية.‏

حتى الشمس مصدر الحياة على كوكبنا الذي نعيش عليه والتي لولاها انعدمت البشرية) يمكن أن تتحول إلى مصدر خطر(ضربة شمس – حرائق ولا يخرج التراث عن سياق قانون الجدل القائم على الخير والشر، الأبيض والأسود،كما يشبهمها الناس، ففيه الجوانب السلبية والإيجابية معاً في تضافر وتنافر داخل بنية التراث ذاته، من الأولى الايجابية أننا أرحم الفاتحين على مر العصور وهذا جانب مضيء،نهانا عن قتل امرأة أو طفل قبل شجرة أو استهداف ناسك متعبد. هو تراثنا الذي لا نستطيع فكاكاً منه كما الشامة على الخد الأهيف أو الجرب الخبيث وبشكل عام يصبح تراث أي شعب من الشعوب جزءاً من ثقافته ومكوناته الجمعية براقاً كان أم شائناً.‏

إنه كامن فينا لا يموت لكنه يحيا باستلهامه كاللغة، لا يعيش إلا بالاستعمال المتجدد لها، لذلك كان الأدباء ومازالوا حماة اللغة وحافظيها وهم كذلك في التراث الثقافي.‏

نستلهم تراثنا من خلال التركيز على جوانبه الإيجابية المضيئة أولاً،وإسقاطها على واقعنا الراهن بجعلها معاصرة من خلال إشاعة الروح فيها كي نعيشها حاضراً زاهراً بعدما كانت مواقف رائدة في الماضي مثال ذلك التسامح الديني الذي ساد في الفترة الأولى لقيام الدولة الإسلامية في الأندلس،حيث شكلت منارة لقارة أوروبا بأكملها خلال عصور ظلامها الدامس ما جعل المؤرخين يعترفون بدور العرب بسطوع شمس النهضة الأوروبية الحديثة،أما المراحل المظلمة فيقف منها الأديب موقف المتأمل الناقد بعقلانية ووعي حادقين محذراً من مغبة السقوط ثانية إلى هويتها السحيقة بحيث التشدد والفرقة.‏

وكتطبيق على الأدب والفن استلهم (أمل دنقل) بالوصايا العشر حادثة مقتل (كليب)وهو أخو(الزير سالم) ليطلب من الرئيس السادات ألا يصالح الدولة العدوة إسرائيل.‏

فيزج به في الزنزانة رقم(8) لتكون فيها بداية النهاية لحياته واستلهم المبدع السوري ممدوح عدوان في مسلسل الزير سالم مصوباً سهامهم على حالة الثأر المقيت،التي أودت إلى حرب الداحس والغبراء وتواصلت في آلام وأوجاع أربعين عاماً من اقتتال الأخوة والأهل.‏

أخيراً تراثنا إشكالي له وجوه متعددة كباقي تراث العالم،فيا حبذا عين بصيرة تقرؤه تترك مافيه من زبد يذهب هباء منثورة لتستخلص منه مايبقى في الأرض يفيد الناس بمسيرة حياتهم نحو مستقبل أفضل غداً.‏

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *