كلب الراعي الألماني ..

كلب الراعي الألماني ..

سؤال : بماذا يذكركم الكلب ؟ أو كلب الراعي الألماني ؟ أو بماذا يذكركم جنود مسلحون يألبون كلب الراعي الألماني للاعتداء على مواطنين يحاولون التسلل عبر الحدود بحثاً عما يسدون به رمق عيشهم ؟

أكتب مقالتي هذه من غرفة في فندق يقع في مدينة براغ , العاصمة التشيكية التي ذاقت مرارة الاحتلال والقمع والنضال من أجل الحرية . ويعرض معرض متحف الشيوعية الموجود في العاصمة من بين معروضاته صوراً لجنود من ألمانيا الشرقية يحاولون تأليب كلاب الراعي الألماني ضد متسللين عبر الحدود . هذا العمل قام به قبلهم الجنود النازيون وجاء بعدهم الجنود الشيوعيون وبقي الكلب إلى الأبد .‏

قبل زيارتي لهذا المتحف ببضعة أيام كنت في قرية هولا , بالقرب من مدينة الخليل في زيارة للشاب محمد العملة , الذي هاجمه كلب الجيش الإسرائيلي وهو من نوع الراعي الألماني وأصابه بجروح في ظهره وعنقه . الشاب محمد العملة أب لابنتين وعامل بائس يعمل منذ 12 عاماً في إسرائيل . في حال امتلك المال الكافي يقوم برشوة مقاوله الإسرائيلي بمقدار كبير من المال ( ألفي شيكل شهرياً ) كي يساعده في الحصول على تصريح عمل له في إسرائيل . عندما احتاجت ابنته الصماء لعمل جراحي في أذنيها , ولم يعد يملك المال , اضطر للتسلل إلى إسرائيل بحثاً عن عمل من دون الحصول على تصريح , ليلاقي هذا المصير وينتهي سعيه في مشفى لتلقي العلاج من عضات الكلب .وقع محمد قبل هذا الحادث بشهر مع آخرين من مواطنيه في كمين نصبه لهم جنود إسرائيليون لدى محاولتهم الدخول من خلال منفذ فتحوه في جدار الفصل والتسلل منه إلى إسرائيل وقبل تمكنهم من اجتيازه ألب الجنود كلابهم ضدهم . ويبدو أن الجيش الإسرائيلي عاد في الآونة الأخيرة إلى الاستعانة بتلك الأنواع من الكلاب , بعدما ظننا أنهم كفوا عن إغراء الكلاب للهجوم على ( الخارجين عن القانون ) أي الهجوم على أناس غير مسلحين . لأنهم لم يستطيعوا الاستغناء عن عمل وحدة « هعوكتس « العظيمة المجد حتى خلال فترات الهدوء النسبي .‏

لا يمكننا عدم الاكتراث بهذا الاسقاط التاريخي وهذه التداعيات الحتمية . صحيح أن استخدام الرصاص الحي يعتبر أكثر فتكاً , إلا أن تأليب الكلاب على البشر يعتبر أشد قسوة . وهذا الاجراء والاستعانة بالكلاب يدعونا إلى أكثر من الخجل والعار . إننا نرسل جنود إسرائيليين إلى ( مسيرات حياة ) في اوشفيتس, وبعدها ندربهم على تأليب الكلاب على الناس . وعلى ما يبدو , فقد تخلى المتحدث باسم الجيش الاسرائيلي , الذي كان يجهد نفسه في إحدى المرات من أجل الحفاظ على السمعة الطيبة لما يدعونه « أكثر الجيوش أخلاقية في العالم « عن هذا الادعاء أيضاً . حيث اكتفى برده غير المبالي والمتعجرف على وصف ليل الكلاب هذا بثلاث كلمات سطحية جداً وهي « الموضوع قيد الفحص» .‏

وعلينا إلى حين الانتهاء من هذا الفحص , والذي لن ينتهي قبل عام طرح سؤال على أنفسنا : هل هذا هو ما نريده ؟ ويجدر بنا الاعتراف أنه لو تعرض مواطن إسرائيلي تسلل إلى أراضي السلطة الفلسطينية إلى هجوم كلاب مُألبة عليه وتلقي العلاج في المشفى , على غرار ما حدث للعامل محمد العملة لضجت البلاد وربما العالم أيضاً . ولكانت آلة التاريخ والاعلام جندت كل قواها لعرض صورة الجندي الفلسطيني الذي يقوم بتأليب الكلب على هذا الإسرائيلي . بل للفظاعة , لصرخنا كيف أن الفلسطينيين هم حيوانات بشرية تستخدم الكلاب للهجوم على الناس. ولكن مع الجيش الإسرائيلي نسكت ولا نطبل ونزمر لهذا الإجراء .‏

يتماثل الآن الشاب محمد العملة للشفاء في بيته من جراحه, لكنه غير قادر على العمل لغاية الآن . ويقول أنه لن يعيد الكرة والتسلل إلى إسرائيل مرة أخرى كعادته في كل ليلة إلى جانب آلاف الباحثين عن عمل من الفلسطينيين بسبب حالة الخوف التي أصابته من الكلاب. إذ حين أطبق الكلب فكيه على عنق محمد العملة اعتقد للحظات أنه سيموت . وهذا في ظاهر الأمر يشكل انجازاً كبيراً لصالح إسرائيل , لأن محمد العملة لن يعود للعمل على ترميم منازلها بشكل غير قانوني . وما يثير قلقي وكآبتي الآن وأنا في غرفتي في فندق مدينة براغ , المدينة التي تتردد فيها في كل زاوية أصداء ذكريات الاحتلال النازي والشيوعي و «ربيع براغ « التفكير في عمل جنود الجيش الإسرائيلي الذين ألبوا الكلاب ضد الشاب محمد العملة , وحينها يصبح لذلك معنى آخر .‏

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *