نضال سيجري.. فارس الزمن الصعب ..

نضال سيجري.. فارس الزمن الصعب ..

نضال سيجري فارس في الزمن الصعب، حمل في قلبه الكثير من الحب.. الكثير من النبل.. الكثير من الوجع، واليوم يحمّلنا الكثير من الألم بغيابه، كان صوته هو الصوت الداخلي لكل منا، آمن بكل سوري كما آمن بالمستقبل،

تحدى المرض لأنه يحب الحياة انتصر عليه في الكثير من الجولات القاسية، وفي كل مرة كان يعود إلى العمل وأصدقائه وأحبائه.. ولكن هذه المرة.. لم يعد نضال، هذه المرة هزم الموت جسده بعد صراعات عدة، إلا أنه بقي عاجزاً أمام هزيمة ما يحمل من روح تواقة لكل ما فيه خير وجمال،‏

ولهاجس إبداعي حفر سطوره عبر مسيرة من العطاء الفني والإنساني، كان أحد أهم ركائزها النقاء والصفاء.‏

كان كتلة متحركة من المشاعر الشفافة، حملت عيناه كما يحمل قلبه الكثير من الحميمية والدفء، عكس خلال حياته الكثير من المعاني السامية التي كان يصر عليها دائما (الفرح، الحياة، الأمل، التفاؤل، تحدي المرض بالعمل، الإيمان بالسوري..) تلك المعاني التي شكّلت جزءاً من شخصيته، ربما هي نعمة أن ينتقل إلى جوار ربه في الشهر الفضيل، ولكن يبقى لغيابه غصة من الصعب تجاوزها بسهولة.‏

مبدع حتى النخاع‏

منذ تخرجه من المعهد العالي للفنون المسرحية عمد إلى ترسيخ بصمة خاصة فتوجه بداية إلى المسرح، حمله بين خفقات قلبه فكان ملاذه وحنينه، حتى إن الوداع الأخير كان على خشبة المسرح القومي في اللاذقية التي ضمت جثمانه بتأثر كبير عبر إطلالة الوداع.‏

قدم بداية عدداً من المسرحيات الخاصة بالأطفال منها مسرحية (هايدي والأميرة المسحورة)، وشارك خلال مسيرته في مجموعة هامة من المسرحيات، منها (كاليغولا، السفربرلك، شوية وقت، أواكس، الغول، نور العين، تخاريف، مات ثلاث مرات، حمام بغدادي..) ونال عدداً من الجوائز، كما شغل منصب مدير المسرح القومي لكنه قبل أن يمضي عامه الأول في المنصب استقال منه مفضلاً العمل على الخشبة لأنه لم يكن ليهادن في المسرح.. أما في السينما فجاءت مشاركاته خجولة ولكن كان لها حضورها المميز، فقد شارك في فيلم (الطحين الأسود) لغسان شميط و (الترحال) لريمون بطرس و (سلينا) لحاتم علي.‏

برع في تجسيد مختلف الشخصيات، فكما كان له تفرده فيما قدم على صعيد الكوميديا التي رأى أنها الأصعب، تفرد أيضاً فيما قدم من أدوار أخرى، ولعل من أهم مشاركاته التمثيلية على صعيد الدراما التلفزيونية في السنوات الأخيرة مسلسل (ضيعة ضايعة) وخاصة الجزء الثاني منه وكان عندها قد بدأ العلاج، فشكّل عمله في المسلسل (جزءاً من علاجه ودافعاً لتجاوز الأزمة) وفق ما سبق وصرح به المخرج الليث جحو بعد التصوير آنذاك، أما نضال فقال عن العمل عبر لقاء سابق مع جريدة الثورة (إنه جزء مني، وبالنسبة إلي الجزء الثاني يعنيني جداً، لذلك بعد الوعكة الصحية التي مررت بها وفي اللحظة التي شعرت أنه يمكنني أن أصور فيها، أي بعد أسبوع من الأشعة التي كنا نجريها للحنجرة، أعطيت خبر جهوزيتي للتصوير، رغم أنني كنت ماأزال تعباً).‏

يحفل أرشيف نضال بعدد كبير من الأعمال الدرامية الهامة التي شارك فيها (الفوارس، هوى بحري، عصر الجنون، بقعة ضوء، الواهمون، الخط الأحمر، الزير سالم..) وضمن هذا الإطار لا بد من الإشارة إلى فيلم (طعم الليمون) الذي قام بإخراجه عام 2011 وهو من إنتاج المؤسسة العامة للإنتاج التلفزيوني والإذاعي.‏

إنسانيّ حتى الثمالة‏

مُشبع بروح إنسانية تشع عطاءً وبصمت، هي صفات قد لا يعرفها كثيرون عنه، ولكن المقربين ومن اختبره يعرفون الحيز الكبير الذي احتلته من حياته، فالجانب الإنساني التطوعي كان واحدة من صفاته التي سعى إلى ترسيخها بعيداً عن الأعين، بتواضع ومحبة، لم يبخل في مد يد المساعدة لكل من احتاجها حتى دون طلب، كنا نراه في الكثير من الأنشطة والفعاليات الإنسانية التي تتعلق بالأيتام أو الأطفال المصابين بالسرطان، أو ذوي الاحتياجات الخاصة أو.. كان يبتعد عن الاعلام لصالح الجلوس معهم وإعطائهم كل ما يملك من طاقة إيجابية لشحذ طاقاتهم وتشجيعهم.‏

كثيرة هي الأمثلة التي تعكس الجرعة الإنسانية العالية التي كان يحملها في داخله ويعمل على نقلها للأخرين بحب، ولعل واحدة منها ما جرى عام 2006 عندما استقبلت سورية العائلات اللبنانية بقلب كبير فترة الحرب، فطلبت منه وقتها المشاركة في إحدى الزيارات التي نظّمتها صحيفة الثورة للفنانين إلى مراكز إيواء الوافدين اللبنانيين بالتعاون مع الهلال الأحمر، فكانت حماسته للفكرة كبيرة، وحينها كانت الزيارة إلى أحد مراكز إيواء (دير مار الياس، معرة صيدنايا)، وما أن وصلنا للمكان حتى تجمهر حوله الكثير من الأطفال فجلس وسطهم بعيداً عن الكاميرات واللقاءات مفضلاً أن يعطيهم كل دقيقة من وقت مكوثه في المركز معهم. ولكن عند عودته إلى دمشق تحدث لجريدة الثورة عن الزيارة حينها قائلاً: (هذه هي الحقيقة دون منة أو شكر، فالمارون والأرثوذكس والكاثوليك.. يجب أن يناموا في الجامع وبالمقابل السني والشيعي.. يناموا في الكنيسة، لقد حاول الاستعمار زرع بذور تخوفنا من بعضنا البعض في داخلنا وهناك ضعاف نفوس ولكن هذا المحك الحقيقي يجعل الناس يفكرون بالدفاع عن الإنسان. وبالتالي ما يحدث من وجود أطياف دينية ومذاهب في مكان واحد يعبر عن الحقيقة وهو أمر طبيعي علينا المحافظة عليه وعدم التخلي عنه نهائياً).‏

هذه الأفكار التي عبّر عنها نضال في تلك الفترة مترجماً قناعاتها من خلالها، هي ذاتها التي ما فتئ على التذكير بها خاصة في ظل الأزمة التي تعيشها سورية، فكان يؤكد على عامل الأخوة والمحبة والتسامح، مشدداً على مبدأ الحوار، وقد عمد في فترة الأزمة السورية إلى توجيه كلامه للسوريين بحب كبير، ومما يقول (أيها السوريون، سورية تبكيكم، ايها العظام سورية لكل السوريين) مؤكداً أننا محكومون بالوطن.. ولم تغب سورية عنه حتى في أيامه الأخيرة.‏

نضال.. تعجز الكلمات.. الروح سكرى من المصاب وإن كنا نؤمن بمشيئة الله، ولكن من حق قلوبنا البكاء على قلب كبير استطاع بما حمل من محبة أن يتسع للجميع، اشفع لكلمات تتلعثم ولدمعة تنهمر فالمصاب كبير.. لروحك الرحمة وليكن ذكرك مؤبدا.‏

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *