كرم موائد رمضان بانتظار رحمة التجار ..


أمام الغلاء البعض اختار المقاطعة و آخرون اعتصموا بالقناعة و منهم من تسلح بالتحدي لميزانية شارفت على الانهيار في الأيام العادية، فما بالك بميزانية شهر رمضان المبارك ومتطلبات إحياء طقوسه وعاداته و تقاليده الاجتماعية من موائد وولائم وإكرام الضيوف و تفقد الجيران بسكبة و الفقراء بصدقة ؟ ..

باعتراف الكثيرين علناً أو سراً ، فان موائدنا الرمضانية ليست بكرم و جود السنوات السابقة، فلموائدنا السورية خصوصية مميزة، حيث درجت العادة أن تحفل بأصناف عديدة من أطباق أساسية ومقبلات متنوعة وأنواع كثيرة من المشروبات الباردة التي تحضر خصيصاً لهذا الشهر الكريم إضافة إلى الحلويات الشامية التي تعج بها محال الحلويات وتتفنن بصنعها ربات البيوت، ولكن الأزمة الحالية وما سببته من ضائقة مالية ألقت بظلالها على موائد الكثير من العائلات على اختلاف طبقاتهم الاجتماعية، ومع ذلك فقد برزت مهارة ربات البيوت بالتدبير و الاقتصاد المنزلي، حيث لا مكان بهذه الظروف العصيبة لتبذير وهدر أي مادة غذائية مهما كانت بسيطة، حيث طال الغلاء كل المواد الغذائية دون استثناء.‏

التواضع سيد الموائد‏

كل ربة منزل لها طريقتها بالتسوق والإعداد للمائدة الرمضانية التي تجمع أفراد العائلة الكبيرة حولها، حيث تكثر الولائم وتجهد النساء بإعداد ما لذ وطاب من أصناف تزين الموائد وتكون مدعاة للتباهي بأنفسهن أمام ضيوفهن، ولكن رمضان الحالي يأتي كريماً وزائراً عزيزاً رغم القلة وتواضع الموائد، تقول (أم رامي) : إن إعداد موائد رمضان مثل الأعوام السابقة يعد مستحيلاً، حيث كانت اللحوم و أنواع الكبب والبرك لازمة دائمة على موائدنا خاصة في الولائم، أما الآن فقد اقتصرت المائدة الرمضانية على نوع واحد من الطعام كطبق أساسي يراعى به أن يلائم رغبات أفراد العائلة كافة، كي لا يُظلم واحد منهم على حساب الآخر، كما يجب اختيار الأصناف التي لا تتطلب الكثير من المواد الأساسية لإعدادها.‏

تعقل و حكمة‏

وتجد أم أحمد أن التعامل مع ميزانية الأسرة الخاصة بشهر رمضان المبارك يتطلب الكثير من التعقل و الحكمة خاصة مع متطلبات هذا الشهر من التنوع في الأصناف والولائم التي تجمع الأقارب والتي باتت من ذكريات ماض قريب مع استعار موجة الغلاء للمواد الغذائية إلى أربعة أضعاف، تقول مضيفة: أصبح من الضروري الابتعاد عن الطبخات المكلفة والتي تتطلب كمية كبيرة من اللحوم والمواد الغالية، ويمكن إعداد الكثير من الأصناف بتكلفة نوعاً ما مقبولة قياساً لغيرها، كما ينبغي عدم المبالغة بحجم الطبخة كي لا تبقى وقتاً طويلاً بالبراد فتفسد خاصة مع ارتفاع درجات الحرارة وانقطاع التيار الكهربائي، عندئذ سنضطر إلى رميها وهذا يسهم في هدر جزء من الميزانية.‏

و ترى ميسون- موظفة وربة منزل- أن التسوق لإعداد مائدة رمضانية ليس بالأمر السهل في ظل هذه الظروف الصعبة، حيث شراء عدة أنواع يتطلب مراعاة ميزانية الأسرة والتعقل بالشراء والموازنة بين البدائل المتاحة والسؤال بأكثر من محل تجاري لاقتناص السعر الأنسب والسلعة الأجود، فالأسعار تتفاوت من محل لآخر حسب طمع التاجر واستغلاله لحاجة الناس لها، كما أن النوعية لا تتوقف على السعر الأعلى، فهناك الكثير من المواد الرخيصة والجيدة أكثر من الغالية، و هذا يتبين بالتجربة و السؤال من خلال المعارف و الجيران.‏

مقاطعة لعادات وسلع !!‏

أسامة حج إسماعيل- موظف بشركة خاصة يجد بقدوم شهر رمضان ضغطاً مادياً كبيراً فهو بأحواله العادية يتسبب بإنفاق يفوق الميزانية، يقول: في السنوات السابقة كنت أستعد لهذا الشهر بشكل مسبق، حيث أدخر من راتبي مبلغاً متواضعاً كل شهر لأصرفه برمضان و ألبي متطلبات العائلة وإعداد وليمة لأهلي وأهل زوجتي وبعض الأقارب، أما رمضان الحالي فقد اعتذرنا عن هذه العادة بسبب الغلاء الفاحش، واقتصرت مائدة رمضان على أفراد عائلتي الصغيرة، خاصة وأن راتبي بسبب الأزمة تم تخفيضه ليزيد الطين بلة، و بات من الضروري التقشف وعدم الاستماع لرغباتنا و شهواتنا التي تطلب بعض الأطعمة الغالية كاللحوم و الأسماك و الدجاج ، فمنذ استعار موجة الغلاء قاطعنا هذه المواد إلى أجل غير مسمى أو إلى أن يرحمنا تجار الأزمات.‏

الاقتصار على الضروريات‏

وككثير من البيوت السورية في ظل الأزمة و تبعاتها الاقتصادية، يقول محمد نويلاتي- تاجر: لقد تخلت في موائدها الرمضانية عن ذاك البريق الذي كان يميزها، حيث عزف الكثيرون عن التلوين بالأطعمة و اقتصرت الموائد على الضروريات بما يلبي حاجة جسم الصائم خاصة أن رمضان ليس كرنفالاً للأطعمة، نحن بأزمة حتى إن هناك الكثير من الأسر المرتاحة مادياً انضمت إلى الفقراء، و بات التقشف سيد موائدها، فالبذخ والترف لا مكان لهما، والقناعة والإحساس بالآخرين من الصور الاجتماعية السائدة في أزمة تجمع أبناء المجتمع كافة، ومع ذلك لم يعد بإمكاننا إحياء تلك العادات التي كانت فيما مضى كتفقد الجيران بسكبة أو تقديم مساعدة للفقراء .‏

لم تستطع أم فايز أن تمنع نفسها من البكاء أثناء الجلوس على مائدة الإفطار، و هذا ما رواه لي زوجها – تاجر – بالقول: صحيح نحن بحال مادية جيدة إلا أنه من الصعب كإنسان يملك الأحاسيس ألا تشعر بالآخرين الذين لا يجدون ما يفطرون عليه بعد صوم يوم كامل، فكل شيء غال و مكلف وهناك الكثير من الأسر لن تتمكن من التمتع بطقوس رمضان المعتادة و هذا مؤلم جداً، فعاداتنا الرمضانية مكلفة ولا بهجة دون هذه التفاصيل من تنوع و أطباق خاصة بمائدة رمضان و لمات عائلية.‏

ومن حلب حدثتني إحدى السيدات: نشعر بغصة كبيرة ونحن نعد مائدة الإفطار، فقد تساوينا فقراء وأغنياء و بات الحال من بعضه، فالفقير بقلة المال ونحن بسبب الحصار، أسكن بمنطقة تعد غنية ولكن موائدنا باتت فقيرة وما كنا نعده مقبلات بات طبقاً أساسياً هذا إن توفر، و إن استطعنا جلب مادة غذائية بأسعار خيالية فإننا نخجل أن تصدر رائحة الطبخ لجيراننا، و منذ اليوم الأول من رمضان نسأل بعضنا كجيران ماذا تطبخون ؟ و الجواب إما فول مدمس أو فتة حمص أو معلبات، علينا أن نتحمل هي فترة صعبة و لكنها ستمضي.‏

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *