مجتمع

محاصرون بالفراغ والهموم… فهل تورق أرواحنا من جديد؟

محاصرون بالفراغ والهموم… فهل تورق أرواحنا من جديد؟

محاصرون بالفراغ والهموم… فهل تورق أرواحنا من جديد؟

مجتمع
الخميس 22-8-2013
غــانــم مــحــمــد

إياكَ وأوقات الفراغ الطويلة فإنها لن تقودك إلا إلى المشاكل مع نفسك ومع من هم حولك، وإن أردتَ أن تتجنّب هذا الملل فما عليك إلا أن تضع نفسكَ تحت ضغط العمل والوقت مهما كان نوع هذا العمل..

كنّا نشغل أوقات فراغنا وخاصة أثناء العطل الرسمية بـ “السيران” والتجوال الترفيهي فلا نشعر بأي فراغ، أما وقد تعكّر المزاج، وأصبح السيران مكلفاً فقد أصبح الجلوس في البيت هو السائد لدى الكثيرين الأمر الذي أنتج علاقات عائلية عكرة بعض الشيء في أكثر من مطرح..‏

إن هربتَ من تفاصيل حياتكَ اليومية إلى الشاشة الصغيرة فلن تجد عليها إلا ما يزعجكَ، فكل مكان في بلدكَ يتعرّض لأبشع أنواع الحروب، وكل صديق تتكلّم معه يزيد على همّكَ همّاً، فعندما نسمع عن تفجير إرهابي في دمشق أو حلب أو اللاذقية نبادر على الفور للاطمئنان على من نعرفهم هناك وتخشى أن يحمل الطرف الآخر من الهاتف ما يزيد وحشةَ يومك..‏

وإن هربتَ من تفاصيل بلدكَ “ ولن تقدر” فلن تجد إلا أحبّة تحت النار وتحت الموت، فبغداد – أختنا في الروح – تُذبح يومياً، والقاهرة – أم الدنيا – تغرق بالموت، والقدس أولى القبلتين سبيّة والكلّ يتفرّج عليها..‏

إلى أين تهرب؟ هل تحبّ كرة القدم مثلي؟ انظر كيف أن المنتخبات العربية لا تفوز إلا على بعضها البعض، عندما يلعب أي منتخب عربي مع أي منتخب عالمي ويخسر فإن لاعبي هذا المنتخب العربي يبادرون إلى تهنئة الفريق الفائز والتقاط الصور التذكارية مع لاعبيه أما عندما تكون المواجهة عربية – عربية فإن “البوكس” قد يفعل فعله والشتائم المتبادلة نقرأها من حركة شفاه اللاعبين!‏

رحم الله أستاذنا المعلّق الرياضي عدنان بوظو فقد كان يقول عندما يلتقي فريقان عربيان: “ المهم أن فريقاً عربياً سيتأهل” أما الآن فيحاول كل منتخب أو فريق عربي أن يقدّم خدمة للآخرين حتى لا يفوز فريق شقيق له!‏

هل مللتَ من الرياضة أيضاً وتحبّ أن تشاهد برامج المنوعات التي تستضيف فنانين ومطربين وبلا سياسة وبلا رياضة مسيسة؟ إذاً حاول أن تنتقي برامجاً لا تفهم لغتها أما البرامج الناطقة بالعربية فمعظمها مسبق الدفع مالياً وسياسياً، بعض الفنانين يحاول أن يهرب من الأسئلة التي تتعلق بالسياسة، وبعضهم الآخر يورّط نفسه في أمور لا يفهمها والبعض الآخر هو من يطلب مثل هذه الأسئلة ليعبّر عن موقفه الناكر للجميل، والنتيجة واحدة وهي تساقط المزيد من شعر الرأس بالنسبة لأغلبنا..‏

الآن ربما عرفتُ ماذا تريد، أنت تريد أن تقضي معظم الوقت مع أصدقائك ومع أقاربكَ برفقة العائلة والأولاد أو لمفردك وأن تعود معهم بذاكرتك إلى الزمن الجميل.. نسيتُ أن أقول لكَ إن علبة المتة بمئتي ليرة وكيلو القهوة بألف وخمسمئة ليرة وعلبة الكولا بمئة وخمسين ليرة أي أن زيارتكَ لهم قد تكون عبئاً عليهم ولكن الأهمّ في هذا الأمر أن من تقصده في زيارتك هو مثلك يكاد يخرج من ثيابه من الضجر والملل وبالتالي قد لا تجد عنده ما يخفف عنك معاناتك بالضيق..‏

ما تقدّم يخصّ يومي عطلة في الأسبوع، أما إن كنتَ متقاعداً حديثاً وأنتَ من النوع الصعب بعض الشيء فكان الله في عون زوجتك وأفراد عائلتك… يعرفكَ الجميع أنك تحبّ الطعام المالح نسبياً فلماذا تعلّق الآن على ظهر ملح الطعام، ويعرفك الكثيرون بأنك لا تتدخّل في تفاصيل تربية أولادك أو بعلاقاتهم فهل ستغيّر كل شيء بعد هذا العمر؟‏

من يراقب تفاصيل حياته وحياة من حوله يدرك دون عناء أن أحداث البلد زادت من قسوة طباع معظمنا ومن قسوة كل شيء في حياتنا لدرجة أننا نعارك الحياة عراكاً وهي التي كانت تأتي على هوانا وعلى مزاجنا..‏

صحيح أننا محاصرون بكثير من التعب والقلق، وصحيح أن الضيق سمة عامة، وأن المزاج ليس رائقاً تماماً، لكن الأصحّ هو أن من اجتاز اختبار ثلاثين شهراً بكل هذا الصمود وكل تلك الثقة وتلك العزيمة لن يسقط في بعض التفاصيل الصغيرة ولن يصبح المكتسَب أصيلاً فينا لأننا مجبولون بالحياة وبأحلى ما فيها من قيم وعادات وسيعود من تخلى عنها إليها وبأسرع وقت أيضاً.‏

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *