ثقافــــــة تتلمـــــــس لنفســــــــــها الطريـــــــــق

إبداع بعنوان ( ثقافــــــة تتلمـــــــس لنفســــــــــها الطريـــــــــق )

إبداع بعنوان ( ثقافــــــة تتلمـــــــس لنفســــــــــها الطريـــــــــق )

ثقافــــــة تتلمـــــــس لنفســــــــــها الطريـــــــــق


الأحد 25-8-2013
سليمان الخش

مطلوب منا، نحن المثقفين العرب ، أن نكون منسجمين في أفكارنا، مع تلك الافكار التي طرحتها أوروبا وأمريكا على العالم ، في حضارتها الحديثة..

مطلوب منا أن نأكل كما يأكل الأوروبيون والأمريكيون، وأن نلبس كما يلبسون وأن نسكن كما يسكنون، وأن نتعامل كما يتعاملون ، وأن نقرأ مايقرؤون ، وأن نكتب مايكتبون وأن نفكر كما يفكرون…‏

إن هذا ليس صعباً علينا، كما أنه ليس صعباً على غيرنا من أمم الأرض فالتقليد من السهولة بحيث إن كثيراً من الحيوانات المدربة ، تستطيع أن تقلد الانسان في كثير من شؤون حياته..‏

الصعب أن نكون «حيوانات مدربة» كما يشتهي الاوربيون أن نكون..‏

مثقفونا، نحن العرب، يحسون بهذا الواقع احساساً مبهماً وغامضاً، ولكنه من الأصالة والقوة بحيث استطاع أن يضغط بشدة على الكفة الثانية لميزان شخصيتهم ، وأن يقيم توازناً متوتر الأعصاب، بين المغريات التي تقدمها أوروبا ، ليكون العربي ذيلاً للاوروبي وبين الأصالة التي تدفع بالعربي لأن يمارس عروبته بوجهها الصحيح .‏

وبين هذا المد والجزر والجبذ والنبذ ، تتفتق كبرياؤنا القومية، عن متناقضين ضخمين، متشادين الى أبعد حدود التشاد، متنابذين الى أقصى حدود التنابذ ، ولكنهما في حقيقتهما توءمان ، ورضيعا لبان أم واحدة ..‏

فهنالك ، بين مثقفينا، من يظن أن الواجب القومي يفرض عليه أن يبرهن لأوروبا أنه باستطاعته أن يقلدها، الى أقصى حدود التقليد ، في حياتها اليومية، وفي تفكيرها ، وفي تطلعها نحو المستقبل، وهو بذلك يريد أن يدفع « تهمة التخلف» عن قومه وعن وطنه، ويريد أن يثبت للعالم ، الذي هو أوروبا في نظره ، أن أحفاد خالد وعقبة والغافقي ، جديرون بالحياة ، وقادرون عليها ، قدرة الانسان الاوروبي.‏

وهنالك بين مثقفينا، من يظن أن الواجب القومي يفرض عليه أن يبرهن لاوروبا أنه هو العربي ذو التراث الإنساني المجيد برفض أن يكون تبعاً لأوروبا، فأحفاد خالد وعقبة والغافقي ، الذين قدموا للعالم تراثاً حضارياً رفيعاً، ليسوا بحاجة لما جاءت به أوروبا من حضارة وعلم، انما هو اقتباس عن حضارة آبائه وأجداده ، لذلك فإنه يرفض رفضاً نهائياً كل ما جاءت به أوروبة.، ويتطلع نحو الماضي، وهو يعيش في الحاضر ، محاولاً أن يجد لكل جديد شبيهاً له وأصلاً، فيما خلفه الأجداد..‏

وللوهلة الأولى ، سمى الأوائل الأواخر الرجعيين، وسمى الأواخر الأوائل الذيليين ولكنك عندما تعود للحياة التي يحياها عملياً هؤلاء «الرجعيون» أو «الذيليون» فإنك واجد بينهما تماثلاً منقطع النظير، فيما يأكلون ويلبسون ويقرؤون ويتعاملون…‏

لا أريد أن أناقش هؤلاء ولا هؤلاء… ولكنني أحب أن أعلن لرفاق الطريق، من طلائع الأمة العربية ، أن عهد « الذعر من أوروبا» قد آن له أن ينتهي ، وأنه آن لنا أن نعود الى أنفسنا، وأن نتلمس ذواتنا، بين هذا الخضم الهائل من المثل والمبادئ والأفكار، التي مازالت تتجاذبنا طيلة قرن أو يزيد..‏

فما من شك في أن الحضارة الأوروبية قد فاجأت العرب، كما فاجأت العالم، بمعطيات من الحضارة الرفيعة، التي شأت بضخامتها كثيراً من المعطيات الحضارية خلال التاريخ ..‏

وما من شك أيضاً في أننا نحن العرب قد سبق لنا أن أعطينا العالم من ذوات أنفسنا حضارات، هي من التألق بحيث إنها أنارت الطريق للإنسانية في ظلمات ماضيها السحيق… وما من شك أيضاً في أننا رغم ما قدمناه للعالم من تراث وتقدم، قد هوت بنا الأقدار في ظلمات من التأخر سحيقة عندما كانت أوروبا تشرئب بأعناقها نحو فجر من الحياة جديد وأن هذه الظلمات التي سقط العرب فيها، حالت بينهم وبين التقدم الإنساني، فلم يستيقظوا إلا وأوروبا قد سبقتهم أشواطاً بحيث إنه صار لزاماً عليهم أن يتعلموا منها الكثير، ليستعيدوا ثقتهم بأنفسهم أولاً، وليتابعوا الطريق الطويل الذي سبقتهم به أوروبا ثانياً.‏

وما من شك أيضاً في أن تخلف العرب عن ركب الحضارة، وسبق غيرهم لهم في هذا المضمار لا يعني مطلقاً تخليهم عن ذوات أنفسهم ليكونوا ذيلاً للسابقين كما أنه لايعني أبداً رفض كل ما جاء به السابقون من قيم ومفاهيم..‏

لقد أدركت «طلائع البعث العربي الاشتراكي» ذاتها من خلال هذه المفاهيم، يوم أعلنت أنها «مشعل الماضي، الذي يضيء في قنديل الحاضر، لينير طريق المستقبل»..‏

فهي بهذا المفهوم الحي للواقع الإنساني العربي إنما تعبر عن نزعة الإنسان العربي للإعراب عن ذاته أولاً، وليكون شيئاً مذكوراً في حياة الإنسانية ثانياً.. فلقد وقفنا منذ اللحظة الأولى التي أشرق فيها نور الله في صدورنا موقف الواثق بنفسه وبأمته، المدرك للمثالب التي تردت بها الحياة العربية المعاصرة متفائلين بالمستقبل العربي المشرق، الذي تحمله بين جوانحها نفوس عربية اعتادت أن تطلع على العالم بجديد، في كل حقبة من الزمن..‏

لم يكن أمامنا إلا أن نختار ذواتنا وأنفسنا، بعد أن رأينا كل الأبواب موصدة في وجوهنا إلا بابين فتحتهما أوروبا على مصراعيهما: باب الماركسية العلمية.. وباب الديمقراطية الغربية ولكن باباً كان يخبئ فيه الكثيرون من مثقفي العرب رؤوسهم كما تخبئ النعامة رأسها في الرمل، عندما يداهمها العدو، ذلك الباب هو باب الماضي السحيق بكل ما فيه من خير أو شر…‏

الماركسيون في العالم كانوا يريدون منا أن نعاني التجربة التي عانتها أوروبا من خلال الكتب..‏

لقد مشت جماهير الكادحين في أوروبا نحو الماركسية، بعد أن فقدت صلتها بالأرض وكفرت بارتباطها بالوطن وبعد أن تفككت الأسرة الأوروبية ، وسيطرت الآلة على حياة الإنسان وأصبح لا ملجأ له من بؤسه إلا أن يثور على سيطرة هذه الحياة الكئيبة التي فرضتها الآلة، ومن وراء الآلة من الرأسماليين..‏

أما جماهيرنا، نحن العرب، فإنها لا تزال إذاً رأت الطائرة في السماء، تترك عملها لتتمتع بمنظرها، ولا تزال في غالبيتها العظمى لا تعرف الكهرباء، وتشده عندما ترى التلفزة، وتبحث عن المغني القاعد في قلب المذياع…جماهيرنا لا تزال في الريف تعاني من الجهل والمرض والجوع والحرمان، أما أبناء المدن، فإنهم قد اختاروا لأنفسهم أن يكونوا وسطاء بين ما تنتجه الآلة في أوروبا، وبين ما ينتجه الفلاح في أراضينا، إلا ما ندر من صناعيين صغار، وبرجوازيين قلة..‏

ورغم هذا..، فإن الماركسية الأوروبية تريد منا أن نعيش ذهنياً مع كل الظروف التي نشأت فيها الماركسية في أوروبا، وأن تتمثل هذه الماركسية، وأن نؤمن بها، وبالثورة العالمية، التي تهيئها البروليتاريافي أوروبا…‏

الحق أن الماركسيين قد طلبوا منا شططاً، أرادونا سواعد مصفقة لما يقولون، ولم يأخذوا باعتبارهم تلك المبادئ التي نشأت عليها الماركسية، والقائلة بالتسلسل في الصراع الطبقي، الذي يقود في النهاية إلى حكم الطبقة العاملة…‏

لقد أرادوا من مجتمع بدوي عشائري قبلي، يقوم على عصبيات الدم والأسرة، ويتعامل بالفلاحة والتجارة ،أن يعيش ذهنياً مبادئ مجتمع صناعي تقني علمي، هجر فيه الإنسان كل القيم الروحية والأسرية وارتبط مباشرة بمصلحته المادية، القائمة على الإنتاج والعمل..‏

على أن هذا لم يمنعنا نحن الطلائع الثورية للأمة العربية، أن نتفهم ما تعنيه الماركسية الأوروبية من نظرة ثورية إلى الحياة والعمل والفن والثقافة..، ولم يحجبنا هذا عن الاعتقاد أن الماركسية يجب أن تدرس جيداً ويستفاد منها كثيراً، لأنها قد طلعت علينا بمفهوم ثوري في نظرتها الاقتصادية للوجود، وقدمت مبدأ عظيماً من مبادئ التعامل الإنساني، قائماً على تكافؤ الفرص بين المواطنين، وعدم استغلال الإنسان لجهود أخيه الإنسان..‏

لقد كنا جديرين أن نأخذ عن الماركسية نظرتها الثورية هذه، للحياة والعمل في الوقت نفسه الذي كنا فيه جديرين برفض «المادية التاريخية» التي تفسر تحركات التاريخ، وتفتح الأمم، تفسيراً مادياً صرفاً وتجعل العوامل الروحية في يقظات الشعوب، ملحقات للعوامل المادية في تلك اليقظات..، وفي الوقت نفسه الذي كنا فيه جديرين أيضاً برفض «الديالكتيكية المادية»، التي تجعل الصراع الطبقي بين أبناء الشعب الواحد محوراً وحيداً للتطور التاريخي في هذا الشعب..‏

لقد كان لنا نحن الطلائع العربية وجهة نظرنا الخاصة في هذا الموضوع..، لقد كنا نؤمن أن الحياة من السعة والتعقيد بحيث لا يستطيع الإنسان أن يدعي أن جانباً واحداً منها يستطيع أن يحركها جميعها.. فالمادة أساس في تحريك الحياة، وكذلك الروح فإنه أساس أيضاً في تحريكها..، وإذا كانت المادة جسد الحياة التي نحياها..، فإن الروح هي دماغها وأحاسيسها، أي انفصام بين الأحاسيس والجسد يعطل الكائن الحي عن الاستمرار، لذلك كان من باب ضياع الوقت أن يتساءل المرء أيهما المحرك الأول: الدماغ أم الجسد، فإن للدماغ وظيفته كما أن للجسد وظيفته وكل فصل بين الوظيفتين هو فصل بين الحياة نفسها، وتعطيل لها كما أنه تعطيل للجهد وللوقت في البحث عن السابق والمسبوق والمبتدأ والخبر..‏

أما «الصراع الطبقي» المبدأ الثاني للماركسية الذي رفضناه فإنه وإن كان في كثير من الأحيان منسجماً مع مرحلة من مراحل الحياة التي تحياها بعض الأمم فإنه غير منسجم مع مراحل حياة الأمم جميعها..‏

ربما كان هنالك شعب من شعوب الأرض قد مر بمرحلة «الصراع الطبقي» عندما تتعقد حياته الاجتماعية وتصل إلى مرحلة الاستعصاء عن الحل..، ولكن كثيراً من شعوب الأرض قد تطورت في ظلال صراع طبقات متشابهة أو في ظل السلام القومي، أو في ظل الصراع القومي..‏

فالعرب في جاهليتهم قد تطوروا في ظل صراع طبقات متشابهة والعرب في ظل الإسلام قد تطوروا في ظل صراع قوميتهم مع القوميات الغاصبة المجاورة والعرب في القرن الرابع الهجري كانوا في حالة تقهقر سياسي واجتماعي عندما بدأوا صراعاً طبقياً داخل الدولة الواحدة وقامت ثورة الذبح في البصرة وثورة الفلاحين في بغداد وثورة الأعراب في الجزيرة الفراتية..!!‏

والصراع الطبقي على المستوى العلمي وعبر التاريخ لم تشعر به الأمم إلا في سنوات التقهقر والضعف السياسي والاجتماعي ماعدا الصراع الذي نشب في أوروبا في أعقاب الثورة الفرنسية والثورة الروسية..‏

ففي اليونان القديمة وفي روما القديمة كان الصراع القومي مع الشعوب المجاورة نقطة انطلاق هذين الشعبين بينما جاء الصراع الطبقي في العهد الذي بدأت فيه تغيب شمس القوة والعظمة فيهما..‏

كل هذا جعلنا نحن الطلائع الثورية العربية نعتقد أن التعميمات التي جاء بها ماركس، لم يكن لها من مبرر سوى إيجاد «دين جديد» يدفع بالمظلومين من أبناء أوروبا للنضال في سبيل حقوقهم المشروعة، بعد أن كفر أولئك المظلومون بالديانات السماوية وبالأعراف والتقاليد وبالمثل العليا التي كانت سائدة، لما رأوا رجال الدين عندهم سائرين في ركب الظالمين، وعندما تحققوا من أن المثل العليا إنما تستخدم لصالح الظالم.‏

لقد أراد ماركس أن يعطي هؤلاء المظلومين«ديناً جديداً»، له ما لكل الأديان من ديناميكية وقوة ثورية.‏

ومادام الأمر، في الوطن العربي، مختلفاً جوهرياً عنه في أوربا، فإنه من التشنج العاطفي الذي لا مبرر له، أن نكون نحن في بلاد العرب مندوبين فكريين عن أصحاب الحاجة في أوروبا.‏

لقد كان على طلائع الثورية أن تقرر موقفاً، وكان الموقف جلياً في تكوين البعث العربي الاشتراكي، الحزب الواثق بنفسه وبأمته، والمتفهم جيداً لكل جديد في العالم، والمطلع اطلاعاً صحيحاً على كل قديم في العالم..‏

لقد رفضنا أن نكون ذيليين للماركسية، وقبلنا منها معطياتها الجديدة، المنسجمة مع تفكيرنا ومع مصالح شعبنا، فكانت لنا هويتنا الخاصة بنا، والمميزة عن كل اشتراكيي العالم..‏

وبالقوة نفسها التي رفضنا بها أن نكون ذيليين للماركسية، رفضنا أيضاً أن نكون ذيلين للديمقراطية الغربية..‏

والواقع أن الديمقراطية الغربية قد أخذت شعبنا على حين غرة، وفاجأته وهو في أسوأ مواقفه التاريخية، فلم يكن بدعاً إذاً أن يقف شعبنا من هذه الديمقراطية موقف المبهور المفتون لأنه متخلف أولاً ولأنه مغلوب ثانياً… لقد ظن مثقفونا الأوائل أن الأخذ بالسبل التي سلكتها الديمقراطية الغربية، هو الطريق المستقيم نحو مستقبل عربي أفضل.. ذلك لأن المغلوب يحاول تقليد الغالب.. تلك قاعدة إنسانية لا مفر منها…‏

الديمقراطية الغربية قائمة على العقل والعلم وعلى الحرية والمساواة.. تلك هي الشعارات التي طرحتها على مثقفينا بادئ ذي بدء..‏

أما الحرية والمساواة فقد بدا لشعبنا للوهلة الأولى أنها ألفاظ لا مدلول لها، فإذا كان هنالك حرية في العالم الديمقراطي فهي حرية الغالب.. أما المغلوب فإنه مكره على الخضوع شاء أم أبى.. ونتيجة لذلك فإن المساواة أيضاً مفقودة لأن الغالب دائماً هو السيد والمغلوب هو العبد المقهور… وماهي إلا سنوات قليلة حتى شعر مثقفونا أن الغالب نفسة لا يمارس الحرية التي ينادي بها كما يفهم العربي الحرية.. ففي البلاد التي غلبت العالم على أمره هنالك العبيد الذي بجلدهم السادة بعصا المال أو بعصا الصحافة أو بعصا البرلمانات ويقودونهم كالقطيع إلى المسالخ لينفذوا مآربهم المادية الاستعمارية التوسعية بهم…‏

لقد شعر مثقفونا أن الجندي الفرنسي أو الإنكليزي أو الأميركي أن هو ليس إلا عبداً لرأسمالي بلاده يمارس السيادة على أبناء العرب في أراضيهم المحتلة.. وكان شعوراً غريباً بالعبودية المزدوجة القائمة على أصقاع الوطن العربي وكان تحركاً عجيباً للتخلص من هذه العبودية ولو دفعت أغلى الأثمان…‏

وأشرق معنى «الحرية» بجلاله وصفائه في نفوس الطلائع العربية يوم قالوا إن الحرية ستبقى حبراً على ورق بعد تطهير العالم من الاستعمار إذا بقيت لقمة عيش الإنسان في كف ظالمه..‏

ولأجل هذا، فقد اقترنت الحرية بالاشتراكية في أذهان الطلائع الثورية العربية، كما اقترنت الحرية القومية بالحرية الفردية..‏

فلا حرية للإنسان الجائع ولا حرية في ظل الاستبداد المعنوي.. ولا حرية في ظل سيطرة رأس المال على مقدرات الشعب..‏

ولذلك فقد رفضت الطلائع الثورية منذ اللحظة الأولى فكرة «البرلمانات البرجوازية» التي يتحرك فيها العبيد تبعاً لإرادة السادة، وقررت منذ اللحظة الأولى حرية الفئات الكادحة وفي ظل النقابات التي تمثلها والاشتراكية التي تعمها…‏

أما العقل وأما العلم الشعاران اللذان طرحتهما أوروبا على العالم واللذان تبنتهما الديمقراطية الغربية بالقوة نفسها التي تبنتهما بها الاشتراكية الماركسية فإنهما فضيلة أوروبا الأساسية التي لا جدال فيها.. ولا مندوحة من تبنيها.. وإذا كان للعرب في ماضيهم جولات وجولات في هذا المضمار فإن السبق الأوروبي للعالم فيه، لا يمكن أن يدفعنا عنه إلا إذا كنا نريد أن نعيش نريد أن نعيش عالة على االوجود… وذلك شيء لم يرق للعرب من قبل يوم كانوا سابقين فكيف يروق لهم عندما أصبحوا مسبوقين…!!‏

لقد كان للبعث العربي الاشتراكي موقفه الواضح من مفاهيم أوروبا وأميركا منذ اللحظة الأولى التي شق فيها طريقه نحو بناء المستقبل العربي الأمثل..، وكان هذا الموقف الواضح الصلب تعبيراً عن ثقة الإنسان العربي بنفسه وبأمته، ثقته بماضيه وبحاضره وبمستقبله كما كما كان تعبيراً عن تطلع الأمة العربية للغد المشرق وعن تلك الآمال الكبار التي ضحى لأجلها شهداء القرن التاسع عشر والقرن العشرين..‏

لقد كان للبعث العربي الاشتراكي فضل إخراج آمال الأمة العربية من حيز التطلع والنزوع إلى حيز الجد والعمل، من حيز التشتت والتبعثر إلى حيز التركيز والتنظيم.. ولا ندعي أننا فعلنا أكثر من ذلك..‏

إخواننا تلامذة أوروبا الحرفيون الذين حفظوا الماركسية عن ظهر القلب كما يحفظ الراهب إنجيله ذعروا عندما رأونا نستعمل «المنخل» في دراسة الماركسية فثاروا علينا ولم نستطع أن نسكتهم عن شتمنا حتى رأوا بأعينهم أننا نطبق مبدأ تكافؤ الفرص ومبدأ عدم استغلال جهد الآخرين أفضل مما تطبقه كثير من الدول الماركسية التي لها في الحكم أكثر من خمسة عشر عاماً…‏

هذه الماركسية التي اعتبروها «ديناً» وكانت لهم « كالطمامات» التي توضع على جوانب أعين الجياد التي تقود العربات فلا ترى يمينها ولا يسارها.. هذه الماركسية رفضناها كدين وقبلنا بها تطبيقاً عملياً اشتراكياً في حدود مصالحنا القومية، فجاءت بالعجب العجاب في أيدينا المؤمنة المخلصة لقضية الاشتراكية..‏

وهكذا فعلنا بالديمقراطية الغربية.. ومثلما فعل الماركسيون بنا فعل بنا تلامذة الديمقراطية الغربية..‏

تلامذة الديمقراطية الغربية المحبون للعدالة والمساواة رأوا فينا شبحاً ديكتاتورياً فالتجؤوا يستصرخون «بالبرلمانات».‏

نحن وإياهم متفقون على أن «البرلمانات» شيء أساسي في تقدم الشعوب.. ولكننا مختلفون معهم في الكيفية التي يجب أن تكون عليها هذه البرلمانات..‏

إخواننا تلامذة الديمقراطية الغربية لم يقرؤوا في كتبها إلا عن برلمانات فرنسا وأميركا وإنكلترا.. حيث يمثل رب العمل العمال والإقطاعي الفلاح والسياسي الانتهازي مصالح الشعب..، أما نحن فقد أردنا العامل ممثلاً للعامل والفلاح ممثلاً للفلاح ورجل الدين ممثلاًِ لرجال الدين والمثقف الثوري ممثلاً للمثقفين الثوريين..‏

لقد أردناها برلمانات عادلة حرة، بكل ما في كلمة العدل والحرية من أبعاد ومفاهيم..‏

لقد أردنا أن تكون الحرية مليئة وحقيقية وأردنا أن تكون المساواة مليئة وحقيقية ولا فرق عندنا ولا يضيرنا أن يكون هذا منسجماً مع ما جاءت به الديمقراطية الغربية أم غير منسجم معه..‏

إخواننا الماركسيون وإخواننا الديمقراطيون الغربيون.. مجتمعين ومتفرقين عاشوا مع أوروبا وأميركا.. ولم يعيشوا مع بلدهم إلا في حدود مصالحهم اليومية الحياتية..‏

لذلك كانوا فاشلين.. وللأسف فقد أضاعوا أعمارهم دون أن يستطيعوا مد يد المعونة لهذا الشعب الذي أطعمهم وكساهم وأنفق عليهم حتى تعلموا وتثقفوا..‏

ومع ذلك فإنهم يستطيعون أن يعيدوا النظر في مواقفهم.. بعد أن انكشف الغبار..‏

أما أولئك الذين تصرفوا في زحمة الصراع العربي المعاصر كما تتصرف النعامة عندما يدهمها العدو فتخبئ رأسها في الرمل.. هؤلاء الإخوة العرب.. كان لنا معهم موقف آخر..‏

لقد كان على الثوريين العرب أن يقنعوا هؤلاء أن أعينهم التي أغلقوها في وجه الشمس جديرة بأن تنفتح على الحياة من جديد..‏

ففي زحمة الحياة والتقدم الإنساني كان هؤلاء المواطنون يصرخون «إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون»..‏

وكان لموقفهم هذا رهبته في قلب العدو المستعمر، ما في ذلك شك كما كان له مفعوله السحري القوي في الحفاظ على الكثير من خصائص النفس العربية..‏

غير أن موقفهم هذا، لم يكن غير موقف الضعيف الذي لا يريد أن يستمر في الحياة ويفضل أن يموت ضعيفاً على أن يقوى ويحيا..‏

ومرت عهود كان هذا الموقف مفيداً في حفظ الشخصية العربية من الضياع يوم فتن أكثر المثقفين العرب بحضارة الغرب، ونادى المخلص منهم وغير المخلص، عن وعي أو عن غير وعي أن على العرب أن يخرجوا من جلودهم ليلبسوا جلوداً أوروبية صفراء…‏

ولكن هذا الموقف، إذا استمر لا يورث العرب إلا الاضمحلال والموت في زحمة التقدم الأوروبي والعالمي…‏

لقد كان على الطلائع الثورية العربية أن تفتح عيون هؤلاء الإخوة المواطنين على نور الشمس المشرقة ليستطيعوا أن يشاركوا في تقدم العرب وفي بعث كيانهم القومي وحضارتهم الإنسانية..‏

وكانت هنالك معارك بين الطبيب المداوي والمريض العنيد.. خطت فيها سورية الثورة خطوات جبارة في ركب العروبة نحو الغد العربي المشرق والرسالة العربية الخالدة.‏

الثلاثاء 9/3/1965‏

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *