بين فرص العمل .. وهجرة الشباب ..

الظروف الصعبة التي يعيشها السوريون، والأوضاع الاقتصادية المتأزمة التي أصابت العديد من المشاريع والمؤسسات، إضافةً إلى التسريح التعسفي في القطاع الخاص،

دفع بالكثير من الشباب إلى التفكير بشكل جدي للسفر خارج البلاد، بحثاً عن فرص عمل جديدة، وأماكن أكثر أماناً. في المقابل ثمة فئة لا بأس بها، مازالت مقتنعة بضرورة البقاء داخل البلاد، ووجدت في برنامج تشغيل الشباب الذي أعلنت عنه الحكومة مؤخراً، فرصة في إيجاد عمل جديد. وبين مؤيد لفكرة السفر خارج البلاد، ومعارض لها، ثمة فئة أكبر ما زالت ترى نفسها بعيدة عن كل التقييمات السابقة، ولا ترى في السفر حلاً لمشكلة عطالتها، ولا حتى في البرامج الجديدة للتشغيل فرصاً مناسبة لها ولظروفها.‏

أحن إلى وطني ..‏

الظروف الصعبة التي يعاني منها أغلب الشباب، وتخلي العديد منهم عن أعمالهم بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها البعض، دفعت الكثير منهم إلى التفكير بشكل جدي من أجل مغادرة البلاد، والبحث عن فرصة عمل جديدة ضمن أجواء مناسبة أكثر. أيهم.ك، 30 سنة، يقول: كنت أعمل في إحدى الشركات الخاصة منذ أكثر من عشر سنوات في قسم البرمجيات، فأنا خريج هندسة معلومات، وبالنسبة لطبيعة العمل والأجور كانت ممتازة لكن بعد حلول الأزمة في سورية، بدأت الشركة تخفض بعض الأجور وتستغني عن بعض العاملين بسبب تأثرها الكبير في الظروف التي نعيشها ولسوء حظي كنت من الأشخاص الذين تم الاستغناء عنهم، حاولت كثيراً الحصول على عمل رغم أن شهادتي وخبرتي سلاحان قويان في يدي، لكن دون جدوى فظروف العمل صعبة جداً، ما اضطرني إلى التفكير جدياً في السفر خارج سورية للبحث عن رزقي، وفعلاً استطعت السفر إلى أحد البلاد العربية المجاورة، وأنا أعمل في إحدى شركاته منذ أكثر من سنة ولا أنكر حنيني وحزني على بلدي . كلام أيهم، وافقه عليه، وسيم عثمان 25 عاماً، والذي أكد أنه لم يترك البلد لخوفه من الأحداث، وإنما في ظل الظروف التي تعيشها البلاد، من الصعب أن يكون هناك أي فرصة عمل جديدة، ما يضطر الكثيرين إلى السفر للبحث عن مستقبل جديد .‏

الخوف أجبرني..‏

الخوف من الأحداث التي تمر بها البلاد، نال العديد من الأهالي والعائلات فاضطروا إلى السفر خارجاً، من أجل الحفاظ على حياتهم، إضافةً إلى بحثهم عن فرصة عمل جديدة في تلك البلاد، ومنهم سها أحمد، أم لأربعة أطفال، سافرت إلى خارج سورية بسبب خوفها مما يحدث حولها، وحرصها على أطفالها خصوصاً، بعد التهديدات الكثيرة بالقتل التي جاءت لزوجها من قبل مجهولين. أما محمد.طه، فيقول: أحب سورية كثيراً، ولم أتخيل أني سأضطر إلى السفر بعيداً عنها، لكن عائلتي قررت السفر إلى السعودية، بسبب تواجد أقارب لنا هناك خوفاً من الظروف الأمنية الصعبة التي نعيشها، وتوافر فرص عمل مناسبة لنا أكثر، لذا اضطررت إلى السفر إليهم، وأحضر نفسي للسفر خلال الأسبوع القادم .‏

تهميش مقصود..‏

تفاقم أزمة البطالة يعد أحد أبرز أسبابه الاستمرار في تهميش بعض القطاعات، وخاصة أبناء الفئات الفقيرة والمتوسطة، الذين اضطروا للهجرة للبحث عن عمل يؤمن مستلزمات المعيشة بحدها المقبول، وهنا يؤكد أحمد الحسن أمين شؤون العمال أن حوالي (100000) عامل تم تسريحهم من القطاع الخاص تسريحاً تعسفياً بحجة إما إغلاق المنشآت وإما عدم الإمكانية لاستيعابهم في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة.‏

الحرص على الأرواح..‏

الحالات العديدة التي تبحث عن فرص جديدة في الخارج، يقول عنها الدكتور نديم سلوم، ماجستير في الإرشاد النفسي: ثمة ناحيتان، الأولى وتعد حقاً مشروعاً لأي مواطن يفكر في السفر خارجاً، من أجل تأمين فرص عمل أكثر مناسبة وملاءمة له، أوبسبب الخوف من الأحداث التي تمر بها، فالخوف أمر طبيعي حسب قول الدكتور سلوم. وبالنسبة إلى الناحية الثانية، يضيف سلوم: في ظل الظروف الصعبة التي تعيشها البلاد، فإنه يفضل عدم التخلي عن البلاد، ولكن يبقى تبرير لهم، وهو الحرص على الأرواح.‏

فرص عمل..‏

في المقابل، ورغم كل الأحداث التي تمر بها البلاد، ما زالت هناك فئة كبيرة من السوريين، مقتنعة بضرورة البقاء داخل البلاد، ومازالت في بحث دائم عن فرص عمل، ووجد الكثير منهم في برنامج تشغيل الشباب الذي أعلنت عنه الحكومة فرصة جديدة للعمل، ومنهم أحمد الخضري، والذي أشار إلى أن الفرص الجديدة التي أعلنت عنها الحكومة دفعت بهم إلى التخلي عن فكرة السفر، وتقديم أوراقه إلى المسابقات التي أعلنت عنها الوزارات كلها.‏

رماد في العيون..‏

في حين وجد طرف آخر، أن هذه الحلول، ما هي إلا نثر الرماد في العيون؛ حيث شكل برنامج تشغيل الشباب عند إطلاقه بارقة أمل عند شباب أوصد الفساد الباب أمام حصولهم على وظيفة حكومية أوخاصة، لكن هذه الآمال تلاشت عند اختبار آليات تطبيق البرنامج على أرض الواقع فيما يتعلق بنوعية الاختيارات، وعدد المتقدمين الكبير مقابل عدد محدد من الوظائف الشاغرة، وهذا الأمر تكرر في نسختي برنامج تشغيل الشباب، فمثلاً في هذا العام أعلنت وزارة السياحة عن حاجتها للتعاقد مع اثنين فقط من خريجي المعهد السياحي باختصاصين مختلفين وطلبت عدداً أكبر من خريجي الجامعات الأخرى وحملة الشهادات الثانوية والتعليم الأساسي، وهنا يحق لخريجي معاهد السياحة وكلية السياحة التساؤل عن جدوى دراستهم إذ كانت الوزارة المعنية بشؤونهم غير مكترثة باختصاصهم، وأشارت ناهد محمد، خريجة معهد سياحي، إلى أنها تقدمت السنة الفائتة إلى الوظائف المعلنة بموجب الشهادة الثانوية على اعتبار أن الفرص ضمن اختصاصها كانت قليلة جداً وكانت مفرزة مسبقاً لأشخاص محددين، لكن بالرغم من ذلك لم توفق في الحصول على وظيفة ما، لذا امتنعت عن تقديم أوراقها إلى أي جهة ضمن برنامج التشغيل كيلا يضيع وقتها هباءً.‏

25 ألف فرصة عمل..‏

يشار إلى أن مجموع فرص العمل المتاحة في خطة برنامج تشغيل الخريجين الشباب في الجهات العامة لعام 2012 يبلغ 25 ألف فرصة تم توزيعها على الوزارات، حيث توزعت فرص العمل حسب فئات حملة الشهادات العلمية، فكان عدد حملة الشهادات الجامعية 10186 و5960 فرصة لخريجي المعاهد و4431 لحملة الشهادة الثانوية و4423 لحملة شهادات التعليم الأساسي.‏

إرث ثقيل..‏

في النهاية، بين العديد من السوريين الذين أصروا على البقاء في وطنهم، للوقوف إلى جانبها وهي تنزف، ثمة كثير منهم لا قدرة لديهم على تحمل هذه الظروف، وبالتالي ظهر طرفان، الأول ضحى بنفسه في سبيل البقاء بين أهله، فاختار البقاء والبحث عن فرص جديدة، والثاني اختار السفر المحدد تحت سقف العودة وبحثاً عن نفسه خارجها، ليبقى السؤال الذي يحتاج إجابة: هل أصبح حلم السفر والهروب من الظروف الصعبة في سورية إرثاً ثقيلاً يتركه المسافر لأبنائه وأحفاده أم احتمال وجود حلول عملية للكثير من العاطلين أصبح أكثر واقعية ؟!.‏

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *