الشــــــــائعات..اختلاق للأحداث.. و تشويه للحقائق ..

الشــــــــائعات..اختلاق للأحداث.. و تشويه للحقائق ..

إذا كانت الحرب السافرة تستهدف بأسلحتها الفتاكة جسد الإنسان وأرضه وعرضه فحرب الشائعة تستهدف عقله وقيمة فالشائعة تنتقل عن طريق الأفراد أو وسائل الإعلام وقد تكون سليمة تحمل آمالاً طيبة للمستقبل, وقد تكون مدمرة تحمل الكراهية مسخّرة الظروف لسطوتها،

وتمس أحداثاً كالحروب والكوارث وارتفاع الأسعار أو علاقات سياسية أو اقتصادية وقد تمس أشخاصاً أو جماعات مستهدفة شيئاً معنوياً يطلق عليه الحرب النفسية، وفي الواقع فإن الشائعات بأنواعها المختلفة رقطاء تنفث سمومها في المحيط وإذا لم يتكاتف الجميع في مقاومتها ودرئها فإنها تحطم الروح المعنوية التي هي أساس كل نجاح‏

من هذا المنطلق تعتمد على المبالغة في أخبار معينة والترويج لها ونشرها على نطاق واسع أو خلق أخبار لا أساس لها من الصحة, بهدف التأثير على الرأي العام تحقيقاً لأهداف متنوعة، أو كعامل ضغط لتنفيذ مخططات مبيتة من جهات معينة.‏

وهي خبر مجهول المصدر, غير مؤكد الصحة, قابل للتصديق والانتشار وهناك فرق بين ما يسمى الشائعة التي تنتشر بشكل تلقائي، ودون أن يدرى ناقل الخبر كذبه من صدقه, و بين الشائعة التي تنتشر بشكل قصدي أي بفعل فاعل حيث يعي الفاعل كذب الخبر.‏

ما هي آلية اكتشافها؟.. و كيف يتم تقويض آثارها؟‏

مسببات وأهداف‏

ولأنه من الصعب معرفة مصدر الشائعات، ولأن ضحاياها يسمعونها من أصدقائهم مما يعطيها صورة الخبر الصادق، بل إن ضحاياهم يكونون أحياناً هم مروجوها, ويمكن تلخيص أهداف الشائعات في التأثير على المعنويات للوصول إلى الإرهاب النفسي، واستخدامها للتَّمويه والتَّعمية كستار من الدخان لإخفاء حقيقة ما، ترويج أنباء كاذبة وأخبار مشكوك في صحتها لأجل إضعاف الروح المعنوية، واستخدام الأساليب الحديثة لعلم النفس للتأثير على معنويات الأفراد.‏

أنواع و أشكال‏

يذكر الأستاذ محسن عوض ماجستير بعلم النفس جامعة دمشق أن هناك مجموعة من أشكال الشائعات تتمثل بـ:‏

– الشائعة الزاحفة (البطيئة): وهي تروج ببطء، وهمساً وبطريقة سرية، والتكتم فيها يجعل المتلقي يعتقد بصدقها.‏

– الشائعه السريعة (الطائرة): وهى سريعة الانتشار والاختفاء أيضاً.‏

– الشائعة الراجعة: وتروج ثم تختفي ثم تعود وتظهر من جديد إذا تهيأت لها الظروف، أو الأوقات التي يريدها مطلق الشائعة.‏

– الشائعة الاتهامية (الهجومية): ويطلقها شخص بهدف تشويه مكانة منافس له.‏

– الشائعة الاستطلاعية: هي محاولة لاستطلاع ردة فعل الشارع، لذلك يطلقها منشؤوها للتعرف كيف سيكون رد فعل الشارع لو تمَّ اتخاذ قرار ما.‏

– شائعـة الإسقاط: ويسقط من خلالها مطلقها صفاته الذميمة على شخص آخر، وأغلب الشائعات المتعلقة بالشرف هي من هذا النوع.‏

– شائعـة التبرير: ويهدف مطلقها إلى تبرير سلوكه غير الأخلاقى تجاه شخص أو جماعة معينة.‏

– شائعـة التوقع: تنتشر عندما تكون الجماهير مهيأة لتقبل أخبار معينة أو أحداث خاصة، مهدت لها أحداث سابقة.‏

– شائعة الخوف: دافعها الخوف من وقوع حدث مأساوي معين فى المستقبل.‏

– شائعه الأمل: ويكون دافعها الأمل فى وقوع حدث سار مستقبلاً.‏

– شائعه الكراهية: دافعها كراهية شخص أو جماعة معينة.‏

عوامل الانتشار‏

ويرى الأستاذ العوض أن الشك العام هو من أبرز تلك العوامل (حيث يتوقف سريان الشائعة على الشك والغموض في الخبر أو الحدث، فحينما تعرف الحقيقة لا يبقى مجال للشائعة)، التي هي محاولة لتبادل العلم بالواقع ومشكلاته لذا يعتبر بعض الباحثين أن الشائعة هي مجرد «بديل» يعوض غياب الحقيقة الرسمية, أو أن تقع تلك المؤسسات نفسها فريسة ترويج الشائعات بشكل أو بآخر.‏

ومن عوامل انتشار الشائعة حسبما يعتقد الدكتور أنس العبد الله المتخصص بعلم النفس هي إشراك المتلقي في التفكير في النتائج مما يفتح أمامه فضاء من التخيلات لا تخضع إلا للرغبات والأهواء، ناهيك عن القلق الشخصي وسرعة تلقي الإشاعة أو سذاجة المتلقي إضافة إلى الترقب والتَّوقع، وعدم الثقة, مع وجود أجواء التوتر النفسي التي تخيِّم على المجتم، والفراغ الناتج عن تفشي ظاهرة البطالة وهي واحدة من تلك العوامل التي يرى فيها الدكتور العبد الله أنها شيوع أنماط التفكير الخرافي القائم على قبول الأفكار الجزئية دون التحقق من صدقها أو كذبها بأدلة تجريبية، والتفكير الأسطوري القائم على قبول الأفكار الكلية دون التحقق من صدقها أو كذبها بأدلة منطقية مع شيوع ظاهرة الحرمان الإدراكي، ومضمونها تداول الناس فى المجتمعات المغلقة لمجموعة محدودة من المعارف، وممارسة عادات نمطية متكررة.‏

مراحل الانتشار‏

وينطلق الدكتور العبد الله من فكرة التعامل مع مراحل انتشار الشائعة كمرحلة أولى لتقويضها، وأبرز تلك المراحل مرحلة الإدراك الانتقائي؛ أي إدراك الحدث أو الخبر من جانب شخص أو عدة أشخاص، ويرجع اهتمام هؤلاء بالحدث أو الخبر لمغزاه الاجتماعي في نفوسهم والمرحلة التالية تتجلى في التنقيح بالهدف والإضافة حتى تتلاءم العناصر المكونة للشائعة مع بعضها البعض ومع ثقافة المجتمع من جهة أخرى, ناهيك عن مرحلة الاستيعاب النهائي والانتشار بعد أن تكون مستساغة، سهلة الاستيعاب، متوافقة مع المعتقدات والأفكار والقيم السائدة في المجتمع.‏

ويخضع انتشار الشائعة بحسب الدكتور العبد الله لشرطين أساسيين هما: أهمية موضوع الشائعة وغموضه, كما أنَّ هناك تناسباً طردياً بين ازدياد فرصة انتشار الشائعة وكل من العوامل التي تشتمل الانسجام بين شكل الشائعة وصياغتها, استعداد الوسط الاجتماعي لتقبلها، وكون محتوى الجد الذي تحتويه مختصراً، و كونها تعبر عن رمز اجتماعي أو نفسي برغبة أو رهبة أعضاء الجماعة.‏

ورغم ذلك شاعت هذه الظواهر السلبية كمحصلة لعوامل ذاتية وموضوعية متفاعلة منها: أن هذه المجتمعات قد انزلقت إلى الجماعية القبلية -كمحصلة لتخلف نموها الاجتماعي، وشيوع كثير من أنماط التفكير والسلوك الذي يحتضن البِدَع، و شيوع التفكير شبه الخرافي.‏

دوافع وأهداف‏

تتعدد دوافع وأهداف الشائعات وفق رؤية الدكتورة علا مارديني كلية التربية جامعة دمشق، حيث ترى أن هناك شائعات ذات دوافع شخصية أبرزها الحسد، والحسد بعلم النفس مؤشر لاضطراب فى الشخصية، وهو محصلة تحكم العديد من الانفعالات السلبية كالغضب والخوف والكراهية وعدم المقدرة على المواجهة والضعف والشعور بالعجز وعدم الثقة بالنفس، وظاهرة الحسد وإن كان لها جذور في النفس البشرية إلا أنها ليست غريزية, بل هي ظاهرة نفسية ترجع إلى عوامل تربوية، اجتماعية، ثقافية، متفاعلة كالحرمان والنقص والطرد الاجتماعي.. فهى محاولة سلبية لتعويض مركب نقص مادي أو اجتماعي أو تعليمي أو ثقافي، ويتفاوت الأفراد فى مقدرتهم على الضبط الذاتي لانفعال الحسد، فقد يبقى عند البعض على مستوى الانفعال الذاتي دون ان يتحول إلى فعل، وقد يتحول عند آخرين باعتقاد الدكتورة مارديني إلى فعل رافض للمجتمع، وقد يأخذ هذا الفعل الرافض للمجتمع شكلاً سلبياً قد يصل إلى أن يكون حالة مرضية يجب علاجها من رفض صاحبها الاستجابة إلى واقعه الاجتماعي، وقد يأخذ شكلاً ايجابياً قد يتجسد فى مواقف مضادة لقيم المجتمع فتثير استنكاره واستهجانه, و قد يصل الى ان يكون حالة إجرامية لا يتردد القضاء فى الحكم بحبس صاحبها أو إعدامه عندما يصل رفضه للمجتمع الى حد تحدي حركته أو وجوده، وهناك شائعات ذات أهداف سياسية كالإشاعات الهجومية أو الاتهامية التي تطلقها قوى سياسية معينة ضد أخرى وهي بذلك تساهم في إيجاد بيئة مواتية للإشاعات، ومنها الشائعات المضادة، وهناك شائعات ذات أهداف اقتصادية كالتأثير على أسعار مواد السوق لتحقيق مزيد من الأرباح، وهناك شائعات ذات أهداف عسكرية، فالشائعة من أخطر أساليب الحرب النفسية.‏

تقويض للأمان‏

الشائعة سلوك عدواني ضد كل فرد في أي بلد، وهي تجسيد لبعض العقد النفسية المترسبة في العقل الباطن وهذا السلوك العدواني قد ينجم عنه أفعال مباشرة وقد يتحول إلى نوع من الشذوذ في القول والعمل ولعل أبرز أنواع الشائعات هي ما يتعلّق بأمن الناس لأنه يتركهم في دوامة القلق ويؤثر على مجرى حياتهم في الوضع الاقتصادي والاجتماعي والأمني.. وخاصة عندما يفتقد الناس إلى الإدراك والوعي وثوابت الاستقرار كالأمن والدين والقيم.. وتعتبر الشائعة من أخطر الأسلحة المدمرة للمجتمعات.‏

تأثيرها على المجتمع‏

الهدف من الشائعة كما تشير الدكتورة مارديني هو عقل الإنسان وقلبه ونفسه وليس جسده أي إنها تتجه إلى معنوياته لا ممتلكاته حيث إن ميدانها هو الشخصية وتستهدف إشاعة الفكر والعقيدة والروح لتحطيم المعنويات لكافة الأفراد على حدٍّ سواء.‏

وتظهر فعالية الإشاعة اجتماعياً في تكرار نقلها بين مجموعة من الناس، لتتحول إلى مادة لمصادر متعددة، تفبرك نفس الكلام. لذا لابد من إخضاع المفهوم إلى التحليل بواسطة عملية التفكير في دلالات الشائعة سوسيولوجياً وسيكولوجياً، وأبعاد عملها وكيفية اشتغالها داخل مجتمع ما.‏

ويشير الدكتور العبد الله إلى أنه في علم النفس يتم ملاحظة السلوك الفردي والجماعي، داخل الحي والعائلة والشارع والقرية… مع محاولة فهم كيفية نشر هذه الشائعة, فبعض العلماء درسوا الظاهرة واكتشفوا أن الدوائر والأوساط المغلقة تعاني من حساسية مفرطة إزاء الشائعات التي ينتجها أفراد المجتمع باستمرار, فالشائعة تستفزنا، ولا تتركنا مكتوفي الأيدي أمامها، بل تدفعنا إلى فعل التأويل، الذي تظل مملكته، هي منطق الارتياب المفعم بمنطق النسبية.‏

وفي هذا السياق وضعت عدة أنماط للتأويل، منها التحرير وهي عملية تلخيص قصة الشائعة، تليها مرحلة تذويب القصة جماعياً، وتحويلها من طرف المساهمة الفردية في بناء قصة الشائعة, وأخيراً هناك الشكل النهائي الذي تأخذه الشائعة كقصة تتناقلها الألسن داخل المجتمع.‏

الشائعة والإعلام‏

اعتبرت الدكتورة سلوى عيسى الدكتورة في كلية الصحافة جامعة دمشق أنه يمكن إدراج الشائعة وانعكاساتها في مرحلتين أساسيين تتمثلان باستفزاز حركة تطويرية معينة، و بعد ذلك تأتي الخطوة التقويضية المكملة لهذا العمل عبر نشر الشائعة في وسائل الإعلام، أي الوصول للمرحلة التوظيفية عبر جهات أو تنظيمات محددة بعينها لإكساب الشائعة قوة الدفع للانتشار وتحقيق الغرض المطلوب منها.‏

في هذا الصدد، يتطرق المتخصصون في مجال الشائعة، إلى العلاقة بين تلك المراحل على أنها علاقة مليئة بالتوترات والإشكالات، وخصوصاً في بلدان لم ترسخ فيها تقاليد الإعلام المستقل، حيث تنتشر الشائعة إعلامياً بشكل مفزع في غالب الأحيان، وبالتالي تطرح علاقة الصحافي والشائعة الكثير من القضايا المهنية والأخلاقية المتعلقة بالصحفي وبأخلاقه المهنية سواء كان يعمل في صحافة مكتوبة أو مسموعة أو مرئية أو حتى إلكترونية.‏

ولا يعني عدم القدرة على الوصول إلى الخبر المطلق أو الصحيح أو الصادق, بأنها حالة محصورة بدول العالم الثالث من وجهة نظر الدكتورة عيسى فمنطق التأويل وذاتية الصحافي، ومسلسل تركيب وصنع الأخبار الصحفية داخل غرف الأخبار، يضعنا أمام قضية واردة في عملية نقل الخبر الصحفي للجماهير، بل يطرح إشكالات ما زالت عالقة حتى في البلدان التي خطت فيها الصحافة خطوات مهمة، وهي قضايا يتحاور ويتجادل بشأنها الباحثون وأهل الاختصاص لحد الساعة، كإشكالية الموضوعية والحياد والتي يؤكد كل المختصين بالصحافة بأنها عبارة مطاطية تتناقلها الألسن لكن ليس لها وجود على أرض الواقع.‏

ومقابل هذه الصورة، ترى الدكتورة عيسى أن الشائعة هي مجرد «بديل» يعوض غياب الحقيقة الرسمية, فالشائعة تنتشر، عندما تتوقف المؤسسات – التي من المفروض أن تقدم الخبر المضبوط – عن مهامها الحقيقية، كالإعلام والقضاء ومجال الفكر النقدي, هذه المجالات يجب أن يتم فيها تداول الأفكار والنقد، دون تواطؤ ضد روح الحقيقة العلمية والخبر الكاذب ينشأ عن التمثُّلات الجمعية التي تتأسس قبل ولادة هذا الخبر.‏

إنه مرآة يكون فيها الوعي الجمعي، ما زال يتأمل في علاقاته الخاصة.‏

مكافحة الشائعات‏

في مرحلتنا الراهنة يقوم الإعلام الوطني بدور محاربة الشائعات والرد عليها ومحاصرتها ثم القضاء عليها عبر إطلاق الحقائق الموضوعية, وتحارب الشائعات بأربع طرق أبرزها, تدعيم الثقة ورفع مستوى الوعي وأخذ الحذر والحيطة من شائعات العدو, اشتراك أكبر عدد من القادة والمقاتلين في حملة التصدي ضد الشائعات وعن طريق وسائل الإعلام لإظهار الهدف والغرض الحقيقي لبث سموم الشائعات المغرضة بين الناس والعمل على تحصين الجبهة الداخلية عبر التوجه نحو العمل بعقلية الفريق فكل مواطن مسؤول عن عدم اطلاق الشائعات فالكثير من الشائعات تنطلق وتنتشر كالنار في الهشيم من خلال المواطن العادي الذي يتناقلها دون أن يكون لديه أي أرضية أو معلومة حقيقية عن مصدرها و بالتالي يكون المواطن أحياناً ودون أن يدري أداة أساسية بيد مطلق الشائعات عبر نشرها هنا وهناك, أخيراً التوجه نحو الإعلام الوطني عند البحث على الحقيقة فلا وجود للحقيقة في وسائل هدامة ومعادية فأساليبها وخططها التخريبية باتت واضحة ومكشوفة للقاصي والداني.‏

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *