من يُغّيب من: الفنان أم الموت؟!..المــــوت خطـــأ شـــائع فــــي رحلـــة الكبــار ..

من يُغّيب من: الفنان أم الموت؟!..المــــوت خطـــأ شـــائع فــــي رحلـــة الكبــار ..

الموت مثل لفائف التبغ آذن اللحظات الحرجة، الذي لايود الحصول على إجازات أو انقطاعات… لكن الموت في رحلة الفنان الكبير خطأ شائع ومشاغب مفصول من وظيفته الأساسية… وفي تعاريفنا نستخدم الموت كجملة أو كمطرقة من كلام:

الموت يغيب عملاق الفن العربي الأصيل وديع الصافي، وننسى أن هذا العملاق ظل يُغّيب الموت والبؤس عن أرواحنا ومشاعرنا… وسيظل في الأبد الجميل المقيم في الأذهان.‏‏

بالفن العظيم يمكن للذوق أن يؤبد لحظاته الحالمة والحاذقة… والمحاولات تمسي واقعاً يتمدد باتجاه القادم والتأمل بالمعنى العادي: الموت أقوى من المشاعر والحياة…‏‏

أما بالمعاني الفنية فيصبح الموت موظفاً مستقيلاً طوال فترات الأصالة الفنية والفرح الفني والعواطف العاتية والعالية، الفن يبدع التأملات لتقف في مواهة التفاهة. هل يمكن لأي موت أن يسجل حضوراً أو غياباً وفنان كبير كـوديع الصافي يغني: رح حلفك بالغصن يا عصفور؟! وقبل أن يغني هذا التحالف الذي بين الغصن والعصفور، كان سبقه الشاعر العملاق أيضاً ميشال طراد إلى هذه الهواية الحياتية الباذخة: تغيب الموت عبر تحالفات الطائر والأغصان في الأزمنة التي حولها تهالك الإنسان (الطموع) وليس (الطموح) إلى أزمنة أزمات وأزمنة من البالة وعلى البسطات تكثر تحالفات الموت مع شياطين التسويق بدل التأملات…‏‏

الفنان يبتكر أشكالاً جديدة لتحالف الأمل مع الحس وتحالف الأحلام مع الحواس ويؤلف زمناً شامخاً وباذخاً ويبدع ما هو أقوى من فعل الموت العادي… الموت فعل صعب واعتيادي وقوته تبقى عادية… لكن الفن غير عادي وغير صدامي… مقاسات غياب الفنان ومقاسات أمجاده وحياته لا تخضع للقوانين الاعتيادية التي تخضع لها عربة بيع خضراوات أو واجهة بيت قديم أو قطعة حلوى وقماش…‏‏

لم يكن في حسبان وديع الصافي أو ذكي ناصيف أو فليمون وهبي أو نصري شمس الدين أو عاصي الرحباني أو ميشال طراد وسعيد عقل وبشارة الخوري وغيرهم الغياب… كل ما في حسبانهم الحضور وتأييد الجمال ولحظات السخاء العاطفي والازدهار النفسي…‏‏

الفن يعتني ويعنى بالزهو والزهر والازدهار والعواطف الماثلة للشفاء وعافية العشق أو الألفة أو التواصل الحميم… القطع في الفن ليس موتاً بقدر ما هو استئنافو تأملات وتحالفات مع التجديد وكرامات الأزمنة الحلوة….‏‏

المتنبي لم يزل يؤبد فينا عهد الحب وغدر العاشقين المغفور: / إذا غدرت حسناء وفت بعهدها فمن عهدها ألا يدوم لها عهد/‏‏

ولم يزل يسقي أفئدتنا خبرة الاستفهام المثقل بالتساؤل:‏‏

/ ياساقيا: أخمر من كؤوسكما‏‏

أم في كؤوسكما هم وتسهيد/‏‏

وقبل هذا المتنبي وبعده لم يزل مبدعون ومبدعات وفنان وفنانات في زحمة تحالفات التفاؤل والأصالة والجمال والإحساسات الحلوة..‏‏

الفن تعامل مستمر مع الألق والقناعات الجميلة وفعل تجميع وتحالف مع الخلق الأصيل..‏‏

الغياب طرح وتفرقة، والفنان تأصيل حضور وبراعة ألفة واستحواذ على الدهشة..‏‏

سلاسة الموسيقا واحدة من قدرات الإبداع على الطلاقة والسير قدماً بالعاطفة وإنسانية الدهشة وانسيابيتها.. والكلام حنكة الوجدان الصائطة والمسموعة وعلى أثر هاتين الكرامتين الروحيتين النغمة والكلمة يتفضل بالمجيء المحكم الصوت الغناء..‏‏

صوت وديع الصافي صاحب مبادرات جليلة وعفوية ومبهجة بين العزف والكلام، وبين المكانة الراقية للشجرة والأرض والعادات والتحالفات الإبداعية والطبيعية.. يظل صوته كإطلالات الأعالي، ولا يتمهل في بذخه وترفه وغناه، بل يفصح كثيراً عما عنده من خيرات ومكانة وإمكانات ويجود بها، دون تكلف: / وللنفس أخلاق تدل على الفتى أكان سخاء ما أتى به أم تساخياً.‏‏

الأصوات البائدة والمصنوعة لا تجيد سخاء الأداء وطرب العطاء، فتؤلف في السامعين ضجة بدل النغمة وصراخاً بدل الرخاء وبؤساً نفسياً عوضاً عن الغنى، وبذلك تؤلف زمناً شاحباً كاستقبالات المتطفلين على الذوق والأناقة.. لم يخطىء الذي قال فنان الزمن الجميل..‏‏

لأن الفن حقيقة الزمن وقامته..‏‏

والضجة الفنية، كما نرى هي صنعة التسويق والفضاء الإعلاني.. الفرق بين عملاق الفن وقزم الفن هو في الموت يُغّيب الضجة وقزم الفن لكنه لا يغيب عملاق الفن.. إلى اليوم العماليق بحضارة الأهرام بهجة ابتكارهم الزاهي والعميق..‏‏

دق باب البيت عالسكيت‏‏

كنت وحدي بهالمسا بالبيت‏‏

كلمات في طور الوحدة والضجر إلى أن حضر صوت وديع وصفاء قريحته اللحنية والصوتية فصارت الكلمات بذخاً تأملياً وعشقياً وعتباً رقراقاً كنبع جبلي خجول رغم ماعنده من تدفق (بترحلك مشوار.. قلتا ياريت)‏‏

و(عالبال يا عصفورة النهرين)‏‏

المشوار وجاذبية العشق والأنوثة والعصفورة التي بين نهرين كم تحتاج اللفتة العاشقة من الانتظار ووجع النظرات والأنباء عن مصير القلب.‏‏

صوت وديع الصافي مشغول كالحياة بنغمة حب مديدة ومشغول بمصائر الألفة ونغمة التلاقي والتحالفات المشمولة برحمة المحبين وخيرات المحاسن.‏‏

ومعه جيل من العبقريات يغيبون الموت والبؤس ويحضرون بقامات أصواتهم وإطلالات الكلمات والشعر والعزف المدهش، يؤلفون الدهشات كما يؤلف نهر ضفتيه والحقول، يكفيه مجداً وامتداداً آفاق وسماء وإشراقاً أن في وداعه أجمل الأغنيات والعتابا والقصائد والألحان.. الفنان العملاق لاتدق ساعة صفر رحيله لأنه يؤلف بقاء ويعمل في أبد اللحظات الجميلة والإحساسات الباذخة الباقية.‏‏

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *