شكســــــــــبير ومولييـــــــــر.. وجهتـــــا نظـــــر خالـــــدة للعالـــــم ..

شكســــــــــبير ومولييـــــــــر.. وجهتـــــا نظـــــر خالـــــدة للعالـــــم ..

لا تخلو أغلب المواسم المسرحية تقريباً من حضور عظماء المسرح، شكسبير وموليير في أي شكل كان، الأمر الذي يستدعي طرح سؤال مشروع يقول: لماذا لايمكننا الاستغناء عن نظرة هذين الخالدين الأخوين في العبقرية؟

نقول « لغة شكسبير» مثلما نقول « لغة موليير» في إشارة إلى اللغة الفرنسية أو الانكليزية، وكأن الكاتبين على حد سواء يمثلان جوهر الثقافات الخاصة بكل منهما.‏

شكسبير وموليير عملاقان يفهمهما العالم برمته لأنهما يجيبان على قضاياه. أحدهما توفي قبل ست سنوات من ولادة الآخر، إذ عندما توفي وليم شكسبير (1564 – 1616) لم يكن قد تعرف على جان – يوحنا بوكلين (1622 – 1672) – الاسم الحقيقي لموليير – ولا يعتبر تساؤلنا اليوم عن الأشياء التي يمكن أن تجمع وتباعد بين الاثنين ممارسة مصطنعة. لنتأمل ما يقوله لنا أبرز عباقرة الأدب العالمي دون منازع.‏‏

ينحدر شكسبير وموليير من الأوساط التنويرية، فقد كان جون شكسبير – والد شكسبير حرفياً وتاجراً ويعمل أيضاً مستشاراً في المجلس البلدي لمدينة ستراتفورد، بينما كان جان بوكلين- والد موليير برجوازياً ثرياً ويلقبونه (منجد الملك) ونعلم أن كلاً من وليم شكسبير وجان يوحنا بابتست تابعا الدراسات الكلاسيكية بقليل أو كثير من الحماس. القاسم المشترك الجامع بين الاثنين هو شغفهما وولعهما بالمسرح والمشاهد التي خبروها. وكونهما عملا كممثلين على المسرح فقد كانا يكتبان النصوص المسرحية لأصدقائهما. وهذا الأمر أضفى قوة خاصة على نصوصهما. كانا يكتبان لممثلين يعرفونهما حق المعرفة، يكتبان من أجل التمثيل. لقد التزما ارتبطا وتمسكا بكل قواهما في الحياة المسرحية. موليير قضى سنوات طويلة من عمره يتنقل من منطقة إلى أخرى ومن ثم أقام في بيويناس قبل أن يعود للاستقرار في باريس ويلقى دعم الملك. وأحياناً يلقى غضبه. في حين بقي شكسبير مواطناً لندنياً، حتى ولو كانت سيرته الشخصية تطرح علامات استفهام حول بعض الثغرات في حياته. والاثنان كان لديهما أعداء ومنافسون من كتاب المسرح الذين طواهم النسيان الآن.‏‏

كان الاثنان يؤديان دوراً تمثيلياً في مسرحياتهم. موليير من جهته كان نجم ما كان يدعى (المسرح المجيد). بينما كان شكسبير في أغلب الأحيان يؤدي أدواراً تكميلية. وفي كل الأحوال لم يتخيلا حياتهما من دون مسرح. فهنا كان يكمن مستقبلهما، وعشقهما وهواهما، ومن خلال هذا الميدان كانوا يعبرون عن فكرهما ويزدهر وينمو ما كان يربط بينهما بعمق، مثل حرية الفكر ووضوح الرؤيا والقدرة على الضحك والبكاء، والتمثيل تحت مسمى كوميديا المسرحيات السوداء. كانا يعرفان تأليف مشاهد الفرح والقادرة على انتزاع الدمع في نفس الوقت، أو أن تكون حزينة بشكل واضح.‏‏

مسرحياتهما كانت على طرفي نقيض كلياً، فمن جهته كان موليير يعتبر رجل العصر العظيم ورجل القاعدة المكونة من ثلاث وحدات (تلك التي أغضبت ستاندال) استوحى موليير نصوصه من القدماء, من الإغريق ومن اللاتين, كتب في المسرح الشعري والنثري وكان يختار في أغلب الأحيان تصوير رجل عصره الذي يعيش صراعاً يشعله بنفسه: كتب عن البخل وكراهية البشر. كما وهاجم موليير السلطات التي كان يعتبرها تعسفية مثل الكنيسة والأشكال الملكية. كان يتحدى المحظورات. كذلك دافع عن المرأة، حتى حين كان يغيظهم، في مسرحياته (المتأنقات المضحكات) و(مدرسة النساء). كان كل شيء يدخل ضمن إطار المعقول في محيطه. إلا عندما كتب الدون جوان، هنا التماثيل تكلمت والسماء ردت إلى خاطب البشرية. لقد كان موليير متمرداً ولكنه كان رجل البلاط الملكي.‏‏

أما شكسبير فقد اشتغل على صعيد أوسع. كتب مسرحيات رائعة. ليل الملوك وحلم ليلة صيف. إضافة إلى كتابته مسرحيات حب تحكي أيضاً عن قضايا العائلات الممزقة، حكاية شتاء وروميو وجولييت. كتب شكسبير نصوص مسرحية من النوع التراجيدي – الكوميدي، والنصوص التراجيدية. استلهم نصوص من التاريخ (قصص الملوك الحزينة والمبكية) ولم يكن يخشى الشخصيات المثيرة للرعب، مثل ماكبث. جعل من بطل أحد أعظم نصوصه عطيل العسكري الأسود. اخترق شكسبير نسيج الأحلام وأيضاً نسيخ الفلسفة وأعطى العهد الأعظم في مسرحية العاصفة. كما كتب شكسبير سوناتات الحب الناري. كان شكسبير رجل متمرد، ولكن لم يكن رجل البلاط.‏‏

وعلى الرغم من ذلك، إن كان هناك الكثير من المؤلفين والممثلين المسرحيين سيدات ورجالاً لا زالوا يعرضون مسرحيات موليير وشكسبير، ذلك لأنهم يرون، بعيداً عن الزمن والأنواع الجانب الشمولي لدى أخوي العبقرية. لقد سبرا عميقاً في معنى الوجود. وهما من الكتاب المسرحيين الأكثر ترجمة في العالم، لأن لغة شكسبير ولغة موليير نسمعها حول العالم أجمع.‏‏

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *