كيــف ولـــدت الكتابـــة الصينيــــــة ؟..

قبل ثلاثة الاف عام من الآن بدأ تدوين الكتابة الصينية فوق الدرع الواقي للسلحفاة قبل أن تنتقل رموز تلك اللغة وليس أحرفها الى البرونز وتحط من ثم فوق أنسجة الحرير وأخيرا فوق الورق الذي اخترعه الصينيون

ليصل اليوم عدد الرموز التصويرية اللغوية التي تشكل العمود الفقري للغة الصينية الى أكثر من 55000 رمز جمعها مؤخرا معجم صدر حديثا باللغة الفرنسية يجمع بين دفتيه 6000 رمز للكتابة الصينية.‏

ومن الصعوبة بمكان الاحاطة بأكثر من تلك الرموز المصورة التي توازي حروف اللغات الانكليزية والفرنسية،ولا تستخدم وسائل الاعلام الصينية سوى تلك الرموز التصويرية المعتمدة في الكتابة.‏

تقول الأسطورة الصينية ان الوزير كانغ جي وهو خطاط وعراف أيام الامبراطور شانغ كان يتابع اثار حوافر الطيور على الأرض عندما لمعت فكرة تبنيه تلك الرموز التي أصبحت لغة الكتابة في الصين الموحدة..ومن تلك الملاحظة ولد ابتكار كتابة انتقلت من الصورة أو الرسم الى رموز تحمل معان ودلالات،ويقول مؤرخ صيني عاش في ظل حكم الهان أن الامبراطور الذي منح وزيره «جي» سلطات واسعة عاش مابين الأعوام 2697 -2598 ق.م ثم جاءت سلالة أباطرة «شانغ « و «زهو» بين الأعوام 1121-221 ق.م لتنتعش تلك الرموز اللغوية فوق صفائح البرونز أما الكتب فلم يأت دورها الا بعد خمسة قرون من ذلك التاريخ واستخدم يومها الكتبة شجر البامبو والخيزران للقيام بهذه المهمة حيث عثر على تلك الكتب في المقابر الصينية.‏

ولم يتم اكتشاف الورق وصناعته انطلاقا من لحاء شجر التوت الا قبل سبعة قرون ق.م ثم تطورت تلك الصناعة مع اعتماد نشاء الأرز وراحت تلك الكتب المدونة تلف على الأقمشة والمنسوجات مع تضمينها كتابة عمودية مصورة واستقرت تلك الرموز أيام الامبراطور «وو دينغ» في الأعوام 1250-1192 ق.م.‏

وكان للخطاطين الصينيين الدور البارز في تشكيل عناصر اللغة المكتوبة حيث لا يتغير الرمز الا مع تغيير المعنى فصورة السمكة +الماء تعني صيد الأسماك في البداية ليتحول هذا الرمز فيما بعد الى صورة أو رسم مرفق بصوت، ولم يتقن علماء اللغة الصينيون القدامى سوى لغتهم نظرا لصعوبة حفظ رموزها في الذاكرة لذلك لم يكن هناك وجود للصين اليوم لولا سدنة الكتابة الصينية ورغم أن أهالي بكين لا يتكلمون لهجة جيرانهم في شنغهاي أو كانتون الا أن الكتابة تجمعهم ووحدة تلك الرموز اللغوية المكتوبة هي قاسم تراثهم المشترك وأسلوب تخاطبهم حيث تعتبر الكتابة في الصين لغة آلهتها.‏

أليست الكتابة الصينية فن جمالي بالدرجة الأولى وفن أقرب الى الفنون التشكيلية ؟‏

ففي الطاوية (فلسفة صينية) اللامنظور واللاموصوف والمجرد تنقله الكتابة الصينية وفروعها التشكيلية من رسم الى طباعة لذلك احتلت الطبيعة المصورة على الورق مكانة الصدارة حيث يشعر من خلالها المواطن الصيني بالاله «طاو».‏

وما الرسم إلا فلسفة الادراك ومشاركة مشاعر الطبيعة وماوراءها فالكتابة كالرسم تجعل الانسان الصيني يخترق طبيعة الأشياء ويتغلغل الى أعماق الكائنات حسبما يذكر الباحث فرانسوا تشانغ في مؤلفه «الكتابة الشعرية في الصين « وزميله الألماني «ليون فانديرميرش» صاحب كتاب اللغة الغرافيكية الصينية وهذا ويعمل كل من الباحثين في تأليف المعاجم الصينية وفي حقل ترجمة مفردات معاني رموز الكتابة الصينية الى اللغتين الألمانية والفرنسية.‏

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *