كيمياء التكاذب وأكاذيب (الكيميائي)..

كيمياء التكاذب وأكاذيب (الكيميائي)..

يعود ملف استخدام السلاح الكيميائي في سورية إلى الواجهة من جديد، لكن بزخم أشد هذه المرة وبتصعيد أكبر يهدد الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي، فما الذي دفع واشنطن لاتخاذ خطوة كهذه؟

وعن أي أدلة مؤكدة يتحدث البيت الأبيض وهو الذي كان يشدد على أنه لا يمكن الجزم من استخدم السلاح الكيميائي في سورية؟ ثم ما سر تبادل المواقع بين أطراف العدوان؟ فالجميع يدرك أن لندن كانت رأس الحربة فيما يتعلق برفع الحظر عن توريد الأسلحة للعصابات الإرهابية المسلحة، وها هو وزير الخارجية البريطاني /هيغ/ يشدد على التردد في تسليح أولئك، في حين يندفع الموقف الأمريكي ويقرر تزويد الجسد الإرهابي المسلح في الداخل السوري بأسلحة نوعية، ويتم تسريب أحاديث ومواقف عن النية المبيتة بإقامة منطقة حظر جوي فوق بعض الأراضي السورية، وفي الوقت ذاته يتحدثون عن جنيف 2 وضرورة إيجاد حل سياسي، فأي تفاعلات في الكيمياء السياسية لأطراف العدوان التي تفضي إلى مثل هذه التداخلات؟ ولماذا ارتفع الصوت الأمريكي في هذا الوقت بالذات؟ وما هي السيناريوهات الممكنة والتداعيات المتوقعة لمثل هذا المجون السياسي الذي يترك المنطقة برمتها على كف عفريت، وفوق برميل من البارود الذي قد ينفجر في أية لحظة، ولا أحد يستطيع الادعاء بأنه بمنأى عن لهيب الانفجار الذي سيلفح وجوه المقامرين والمراهنين قبل غيرهم؟‏

الخطوط الحمراء‏

منذ أكثر من عام وواشنطن تتحدث عن أن استخدام السلاح الكيميائي خط أحمر لن يسمح بتجاوزه، ومن المعروف في الاستراتيجيات العسكرية أن مفهوم الخطوط الحمراء يتم اعتماده عندما يكون لدى مستخدمه نية مسبقة بخرق العرف القائم والقانون الذي يحكم عادة الحالات المشابهة، أي أن اعتماد مفهوم الخطوط الحمراء قد يكون التعبير غير المباشر عن الحرب الاستباقية عبر وضع شروط محددة أو سقوف ما لا ينص عليها القانون الدولي، ويتم الاتكاء على تجاوزها كمقدمة لشن عدوان خارجي ، وعادة ما يتم استفزاز الخصم ودفعه بطريقة أو بأخرى لتجاوز تلك الخطوط ليتمكن من خطط لما بعد ذلك من تنفيذ مآربه، لكن هذا الأمر لم يثمر في سورية، لأنها لم تنجر إلى حيث يريد أعداؤها، ولم تتعامل بردود الأفعال، بل بالأفعال المخططة والمدروسة بشكل علمي ومنهجي واستراتيجي، وسرعان ما أتى الرد السوري فور الإعلان عن الخطوط الحمراء الأمريكية أن سورية حريصة كل الحرص على التقيد بالقانون الدولي، وأنها لن تستخدم أبداً السلاح الكيميائي ـ إن وجد ـ ضد مواطنيها، وهذا ما أفقد أطراف العدوان المبيت جدوى الورقة التي لوحوا بها، فكان لابد من إعادة تحميضها وتظهيرها من جديد بطريقة أخرى عبر التكاذب وتوزيع الأدوار لتمرير ذاك التكاذب ، وهنا جاء دور العصابات الإرهابية المسلحة بعد إمدادها بما يلزم لاستخدام السلاح الكيميائي عملياً في منطقة خان العسل بهدف اتهام الدولة السورية بذلك، لكن العقل الاستراتيجي السوري المبدع الذي يقود المواجهة لهذه الحرب العالمية قلب ظهر المجن لأطراف التآمر والعدوان، وما هي إلا ساعات قليلة حتى تقدمت سورية بطلب رسمي للمنظمة الدولية لتشكيل لجنة تحقيق أممية متخصصة للتحقيق في إقدام العصابات الإرهابية على إطلاق صاروخ يحمل مواد كيمائية على منطقة خان العسل التي يسيطر عليها الجيش العربي السوري، فبُهِتَ الذين ظلموا وبدأت المماطلة والمناورة والتسويف ومحاولات حرف اللجنة الأممية عن إنجاز المطلوب ومعاينة الواقع والتحقيق فيه ورفع النتائج إلى المنظمة الدولية، وبدأ الاحتيال من جديد ومحاولة الاتكاء على تلك اللجنة لاستباحة السيادة السورية، لكن كل تلك المحاولات باءت بالفشل لأن سورية تعرف كيف تتعاون مع المنظمة الدولية، وتحافظ في الوقت ذاته على سيادة قرارها الوطني الحر المستقل، وأمام إخفاق المتكاذبين في أخذ سورية إلى حيث يريدون كان لابد من جولة جديدة بأكاذيب جديدة تشير إلى أن الدولة السورية هي التي استخدمت السلاح الكيميائي مخترقة خطوط أوباما الحمراء، وجاء التقرير الميداني الذي قدمته الصحافة الروسية إلى رئيس اللجنة الأممية المكلفة بالتحقيق ليضيف دليلاً جديداً على الأدلة الدامغة التي قدمتها سورية، إلا أن رئيس اللجنة/ باولو بينيرو/ تذرَّع بأنهم ليسوا بحاجة إلى ذلك، وهذا يثبت ـ وفق رأي الصحفي المستقل في الأمم المتحدة /ماتيو لي/ ـ أن العصابات الإرهابية هي التي استخدمت السلاح الكيميائي ، بالتواطؤ مع دول إقليمية مشاركة في هذه الجريمة.‏

توزيع الأدوار‏

أمام الصمود السوري الأسطوري والموقف الروسي الحازم الذي يرفض القفز فوق القانون الدولي اضطرت واشنطن وحلفاؤها وأدواتهما التنفيذية لتدوير الزوايا والحديث عن مؤتمر جنيف 2 بعد الإنجازات الميدانية اليومية لرجال الجيش العربي السوري على امتداد الجغرافيا السورية، وفي الوقت نفسه أخذت باريس ولندن وأعراب الخليج والعثماني الأخرق على عاتقهم مهمة التصعيد إعلامياً وعسكرياً واقتصادياً ودبلوماسياً بإشراف صهيوني مباشر بلغ الذروة في العدوان الصاروخي على جمرايا، وجاء الرد الاستراتيجي السوري خارج توقعات كل منظري العدوان على سورية، فسرعان ما أعلنت سورية أن قواعد اللعبة قد تغيرت جملة وتفصيلاً، إذ أصبح من حق الدولة الداعمة للمقاومة أن تتحول إلى دولة مقاومة، وأن تتصرف في الجولان تصرف المالك بملكه فهو أرض سورية وستبقى سورية، ودعم المقاومة لن يبقى مقتصراً على ما كان قائماً، بل سيتعاظم ليشمل السلاح الكاسر للتوازن، إضافة إلى رفع مستوى القدرة النارية المستخدمة في مواجهة الميليشيات الصهيونية المصدرة إلى سورية تحت عناوين ومسميات لا تغير من حقيقة كونها تنظيمات تكفيرية تلتقي جميعها عند تنظيم القاعدة الموضوع على قائمة الإرهاب العالمي، وانطلقت الماكينة العسكرية لرجال الجيش العربي السوري تحصد الإرهاب والإرهابيين بوتائر متسارعة أصابت واشنطن بالصداع وهي ترى القصير تحت قبضة حماة الديار في غضون أيام، فكان لابد من توزيع جديد للأدوار بحيث يبقى الموقف الأمريكي ضبابياً وملتبساً، في حين تقود بريطانيا وفرنسا حملة رفع الحظر عن توريد الأسلحة للإرهابيين ويتكفل أعراب الخليج بضخ الفتاوى التكفيرية التي تصب الزيت على النار، وتبقى الحدود التركية مفتوحة على مدار الساعة لتوريد القتلة والسلاح بمختلف أنواعه الثقيل منه والخفيف والمتوسط.‏

حماقة أردوغان وتعاطيه المسعور مع الشعب التركي الرافض كلياً لمشروع أخونة المنطقة أصاب هذه الحلقة الجديدة من الحرب العالمية على سورية في مقتل، فكان لزاماً على أمريكا إعادة التموضع وقيادة جميع العمليات بشكل شخصي، وهذا يفسر ارتفاع الصوت الأمريكي بشكل مفاجئ، والحديث عن تزويد قطعان إرهابهم علناً بالسلاح وتسريب أخبار عن منطقة حظر جوي، ، وإذا أخذ بالحسبان توقيت التصعيد الأمريكي ودلالاته يمكننا الاطمئنان إلى صحة الاستنتاج التالي: ارتفاع الصوت الأمريكي دليل إخفاق وتعثر وليس العكس،فلو كان بإمكان الوكلاء والحلفاء والأجراء تنفيذ المهمة الموكلة لهم لما كان الأمريكي مضطراً للنزول إلى ساحات المواجهة الميدانية المباشرة،وبالتالي يمكن فهم التهويل بالتسليح ومناطق الحظر كجزء من الحرب النفسية لرفع الروح المعنوية لشراذم قتلهم وإجرامهم التي تعاني انهياراً شاملاً ينتقل بالعدوى وبتسارعات تفوق قدرة واشنطن ومن يدور في فلكها على التحكم بوتائر سرعتها على أقل تقدير، كما أن ذلك لا يخرج عن كونه محاولة لوقف التقدم الحاسم للجيش في حلب وغيرها بهدف الحصول على أي ورقة صالحة للاستخدام قبل أن يحين موعد لقاء السيد بوتين ورئيس أمريكا التي تلملم أوراق إخفاق مشروعها التفتيتي،وهي على يقين أن التكاذب لا يغير الواقع، وأن توزيع الأدوار لا يستطيع التقليل من ألق الانتصار السوري في هذه الحرب شبه الكونية، فكل أنواع السلاح بين أيدي الإرهابيين، وفرض الحظر عبر مجلس الأمن مسدود بالفيتو الروسي الصيني، ومن خارج مجلس الأمن مقامرة تهدد الجميع، وقدرة سورية الصاروخية تلزم أصحاب الرؤوس الساخنة بإعادة حساباتهم.‏

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *