علينا انتهاز الفرصة لتحقيق السلام..

علينا انتهاز الفرصة لتحقيق السلام..

أعرب وزير الخارجية الأميركية جون كيري عن خشيته من أن تكون فرصة السلام القائمة في الوقت الحاضر هي الفرصة الأخيرة بين إسرائيل من جهة والفلسطينيين مع أغلب دول العالم العربي من جهة أخرى.

وفي هذا السياق، أبدى كيري تحسبه مما قد يفضي إليه عدم التوصل للسلام بين الطرفين من منعكسات سلبية وعواقب وخيمة عليهما، واستطرد الوزير الأميركي القول: بأن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو والرئيس محمود عباس يمكن أن يكونا أفضل الشركاء لصنع السلام، واعتبرهما الرجلين المناسبين في هذه المرحلة اللذين يمكن عن طريقهما التوصل إلى اتفاق شامل يحقق السلام ويضع حداً لنزاع طال أمده.‏

ويبدو أن كيري كان محقاً فيما توصل إليه من قناعة، فالإسرائيليون والفلسطينيون يعربون باستمرار عن رغبتهم بتحقيق السلام لكن كلاً منهما يقول بعدم وجود شريك في الجانب الآخر يتفهم الواقع على نحو سليم من خلال المنظور التاريخي لهذه المنطقة، في الحين الذي كان يتعين به على كل منهما أن يغير في قناعاته عبر دراسة للواقع بشكل مستفيض مع الأخذ بالاعتبار المطالب والضرورات التي يمليها الحاضر والمستقبل على كل منهما.‏

في واقع الأمر يواجه كيري (كما يقول هو) عقد صفقة تساور الشكوك كثيرون في إمكانية نجاحها ويتساءلون عن الأسس والقواعد التي جعلته يعتقد بأن الوقت الحالي قد تغير عن الظروف السابقة إذ ما زلنا نسمع ذات التوجيهات والتهديدات التي كنا نسمعها في السابق والتي كانت السبب الرئيس في إغلاق باب المفاوضات حول حل الدولتين.‏

لكن هذا الواقع لم يكن بالأمر الجديد إذ إنني سمعت ذات المطالب مرات عديدة واطلعت على المبررات والحجج المقدمة من كل جانب لكني لم أجد ثمة سبب يحول دون التفاوض حول حل الدولتين، كما أني لا أؤمن بوجود حل آخر لإنهاء النزاع القائم لكن على الرغم من ذلك فإن الفرصة الحالية للمضي قدما نحو مفاوضات جادة قد تكون الفرصة الأخيرة.‏

من الصعوبة بمكان التنبؤ بما سيحصل في المستقبل، لكن علينا أن نعلم بأنه مع مضي كل يوم سيكون حل النزاع أكثر تعقيداً إذ سيصعب أو سيتعذر إيجاد حلول له في المستقبل لأن مضي الوقت لن يغلق النافذة أمام حل الدولتين فحسب بل سيفضي إلى إزاحة القيادة الفلسطينية الحالية التي ترغب حقا بالسلام ولديها الاستعداد لتقديم تنازلات من أجله.‏

لقد كان كيري على حق أيضا عندما صرح بأنه إن لم يكن هناك عملية سلام جدية في الوقت الحاضر فإن كل جانب سيتحرك بشكل أحادي الأمر الذي قد يقود إلى العنف وخروجه عن السيطرة في كلا الجانبين وقد يحاول الفلسطينيون توحيد صفوفهم بغية القيام بحملة دولية لنزع الشرعية عن إسرائيل الأمر الذي من شأنه أن يعطي نتائج سلبيه تجاهها في المجتمع المدني في جميع أنحاء العالم وقد تأخذ تلك الحملة سبيلها إلى سياسات الحكومات في شتى أرجاء العالم أيضا، حيث يمكن أن تبدأ بوضع إشارة على منتجات المستوطنات ومن ثم منع دخول تلك المنتجات إلى دول متعددة يضاف إلى ذلك احتمال عدم الاعتراف بالشهادات الصادرة عن كلية ارييل ومنع منح التأشيرات لدخول المستوطنين إلى تلك الدول ومن ثم قد يصار إلى إجراءات قانونية من قبل المحاكم الدولية بحق بعض ضباط وجنود الجيش الإسرائيلي الذين يعملون في الأراضي المحتلة.‏

لا ريب بأنه حملة المقاطعة وسحب الاستثمارات والعقوبات قد حققت بعضاً من النجاح لكن من المحتمل أن تتزايد نجاعتها مع الزمن وتكتسب دعماً وتعاطفاً مضطرداً أكثر مما يمكن أن نتخيله الآن. أما بالنسبة للفلسطينين فإن ضياع الفرصة يعني الاستمرار بتراجع الوضع الاقتصادي والأمني وزيادة القيود على تحركاتهم داخل الضفة الغربية وخارجها مما يفضي إلى اعتقال الكثير من المشتبه بهم من الذين ينظمون الاضطرابات ويرتكبون أعمال العنف.‏

وفي حال انفجار الغضب في الأراضي فإن ذلك سيفضي حتماً إلى دورة أخرى من العنف سيفقد بها الآلاف من الفلسطينيين والإسرائيليين حياتهم فضلا عن البلايين من الدولارات التي ستدفع من أجل إعادة إعمار البنى التحتية للبلدات والمدن الفلسطينية. لذلك فإن الضرورة تدعو الجميع إلى تجنب حصول هذا الانفجار علما بأن القادة الذين يتهاونون ويسمحون بحدوثه يرتكبون حماقة لاتغتفر بحق شعوبهم.‏

لا نشك بأن مبادرة كيري، التي تلقى التأييد والدعم من الرئيس باراك أوباما هي السبيل الأفضل للمضي قدما نحو السلام الأمر الذي يستدعي من إسرائيل القيام بمناقشة واقع إقامة دولة فلسطينية منزوعة السلاح على 22% من الأرض بين النهر والبحر، مع إعطائها الحق بالسيطرة على الحدود الخارجية الخاصة بها.‏

إن قيام دولة فلسطينية ذات سيادة تقبل بالترتيبات الأمنية التي تضمن وتحمي إسرائيل وتحول دون انطلاق أعمال إرهابية على جيرانها أو إطلاق النار على الطائرات التي تحلق من مطار بن غوريون، سيكون له أثاره الإيجابية على كلا الطرفين .‏

وعلى الفلسطينيين القبول بالاتفاق الذي سيتم بشأن حق العودة لللاجئين الفلسطينيين إلى دولتهم وليس إلى إسرائيل. وعلينا نحن أن نقبل بالمشاركة بالقدس دون تقسيمها. وهناك حلول متوفرة لكل بند من الاتفاق التفاوضي الذي سيمكن الجانبين من التمتع بالسلام والأمن والتطوير وإقامة علاقات سليمة بينهما.‏

بالنسبة لإسرائيل فإن صنع سلام مع جيراننا الفلسطينيين الذي يستند على إقامة دولتين لشعبين هو الحل الأكثر صهيونية الذي يتعين علينا القيام به. أما بالنسبة للقادة الفلسطينيين فإن صنع سلام مع إسرائيل يستند على إقامة دولتين لشعبين هو الحل الأكثر وطنية وقومية الذي يجب عليهم السعي إليه. أما القادة الذين يعارضون هذا الحل في كلا الجانبين فليسوا في واقعهم إلا أعداء لشعبهم لأنهم يخاطرون بحياة المئات والآلاف منه وينهجون إلى ارتكاب جريمة كبرى بحقه. أما الصهاينة المخلصون والقوميون الفلسطينيون فهم أولئك الذين يقودون شعوبهم نحو السلام.‏

علينا أن نتقدم بالشكر والتقدير لكل من وزير الخارجية الأميركية والرئيس الأميركي لما يبذلانه من اهتمام وجهد للمضي قدما في تحقيق مصالحنا وطموحاتنا.‏

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *