من ينقذ إسرائيل من مستوطناتها ؟

جاء في الأخبار , التي قلما تلفت انتباهنا أنه تمت المباشرة في بناء 865 وحدة سكنية جديدة في المستوطنات . أي بزيادة تبلغ نسبتها 176% قياساً بالفترة نفسها من العام المنصرم .

ينما زادت بنسبة 355% قياساً بالربع الأخير من عام 2012 . وإذا قسنا هذه النسبة على عدد المستوطنين الذين تبلغ نسبتهم إلى عدد المواطنين الإسرائيليين 4% , فإننا نبني من بين كل 100 شقة جديدة في العام الواحد ثماني شقق ونصف في المستوطنات .‏

وفي الوقت الذي تنخفض فيه أعمال بناء المستوطنات الجديدة في أراضي إسرائيل , بلغت وتيرة بناء المستوطنات في الضفة الغربية ذروتها خلال السبع سنوات الماضية . الأمر الذي سينتج عنه زيادة كبيرة في عدد المستوطنين خلال وقت قصير , ما سيمكنهم من منع أي محاولة لتقسيم البلاد إلى دولتين . وفي حال استمرت حكومة نتنياهو ولبيد وبينيت على هذا المنوال فإننا سنشهد تلاشي أي أمل في التوصل إلى حل إقامة دولتين وبالتالي القضاء على الكيان اليهودي الديمقراطي وعلى الحلم الصهيوني .‏

وفي المقلب الآخر , صدر عن وزراء الاتحاد الأوروبي , قبل نحو سنة من الآن بياناً اعتبر واحداً من أكثرها صرامة حول سياسة إسرائيل في المناطق والربط بين وضع المنطقة «ج» وشرقي القدس باعتبارهما أراضي فلسطينية وبين احتمال التوصل إلى اتفاق إنشاء دولتين . وقد وجه البيان انتقاداً إلى إسرائيل في ثلاثة مجالات أساسية تتميز فيهم سياستها في المنطقة «ج» وهي: هدم المنازل العائدة للفلسطينيين وطردهم منها , والتمييز في الموافقة على البناء والتخطيط بين الإسرائيليين والفلسطينيين , وعدم شرعية كل المستوطنات وأعمال التنكيل بالفلسطينيين على يد المستوطنين . وبين التقرير أنه طرأ تدهور على هذه المحاور الثلاثة خلال العام الماضي . فقد تم رفض 94% من الطلبات الفلسطينية للموافقة على البناء , كما وتم هدم 535 مبنى فلسطينيياً منها 71 في القدس الشرقية , وعدم الموافقة حتى الآن على 32 خطة هيكلية فلسطينية قُدمت إلى الإدارة المدنية قبل أكثر من سنة ونصف , إلى جانب هدم 30 مبنى تمت إشادته على نفقة الاتحاد الأوروبي , مقارنة بعرض مناقصة لبناء 1967 وحدة سكنية للمستوطنين وبناء 613 وحدة جديدة خلال نفس تلك الفترة .‏

إن المسألة ليست مسألة سلام بين إسرائيل والفلسطينيين , وليست المسألة مسألة انسحاب فوري من أراضي فلسطينية , لأن إسرائيل لن تستطيع خلال السنوات القليلة المقبلة نقل الضفة الغربية إلى يد الفلسطينيين بنفس السرعة التي انسحبت فيها من قطاع غزة . إنما المسألة هي مسألة وجود . فهل ستتوقف إسرائيل عن إغراق الأراضي المحتلة بالمستوطنات ؟ وهل سيظل المشروع الصهيوني قادراً على أن يكون مشروعاً أخلاقياً ؟ وهل ستختار دولة اليهود الحياة أو التلاشي دون أن تعلم أنه لا يوجد احتلال على الاطلاق استطاع أن يبقى احتلالاً أبدياً ؟‏

من المؤكد أن تلك الأسئلة جميعها تواجه في تلك الآونة بالرفض المطلق . نظراً لأن ليكود داني دنون يفضل أرض إسرائيل على دولة إسرائيل , في حين البيت اليهودي بزعامة نفتالي بينيت عازم بحزم على إغراق البيت اليهودي في مستنقع استعماري عفن . بينما يلبس حزب يوجد مستقبل بزعامة ليئير لبيد لبوس الحزب الغامض الانتهازي الذي يدير ظهره للمستقبل الصهيوني.‏

كل شيء ممكن الآن من وجهة نظر المستوطنين , لأن وضعهم لم يكن البتة مريحاً كما هو اليوم . حيث إن المجتمع الدولي بدأ يدرك تدريجياً أن مشكلة الشرق الأوسط الأساسية ليست الصراع الإسرائيلي الفلسطيني , بل المشكلة هي ثقافة العالم العربي السياسية المريضة . كما وأن الولايات المتحدة وحليفها الاتحاد الأوروبي أشد تعباً من مواجهة التصميم الحاسم لمتابعي نهج مستوطنة غوش ايمونيم . أما إسرائيل فإنها في الوقت الذي تبيع فيه برنامج طرق بمليارات الدولارات تضيع فيه طريقها .‏

ومن خلال هذا المنظور , لا توجد قوة داخل إسرائيل ولا خارجها قادرة على إنقاذ إسرائيل من مستوطنيها . وبإمكان أهم وزير في الحكومة الحالية الاستمرار في الزخم الذي بدأه في الربع الأول من هذا العام . لأن حكومة ( لا يوجد مستقبل ) تساعده في الاستمرار في تحطيم الأرقام القياسية في بناء المستوطنات في الضفة الغربية . وبالتالي يعمل وزير الاسكان على دفن الصهيونية في الجبال , في حين يشغل باقي الوزراء العشرين أنفسهم بسخافات متنوعة .‏

لكن هذا لا يناسب الإسرائيليين مطلقاً . صحيح أننا سنُصدر الميزانية قريباً وسيوجد المساواة في العبء , وسنشهد أمتع صيف , تحفل فيه مطاعم الساحل والنوادي الليلية بروادها , وستضج الحياة في تل أبيب كما هي العادة . ولكن في الحقيقة , لم يجد الإسرائيليون في عام 2013 حزباً يتمتع بالعقل السليم القادر على حمايتهم جيداً من المستوطنات التي ستتسبب في فنائهم في وقت احتفالهم , وهم ينتحرون في الوقت الذي ينتصرون فيه . وقد شهدت هذه البلاد في الماضي عمليات انتحار جماعية , لكنها لم تشهد انتحاراً رائعاً حلو المذاق ولا داعي إليه كالانتحار الهادىء الوديع الذي تنفذه حالياً .‏

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *