ثورة ضد إخوان تركيا..

ثورة ضد إخوان تركيا..

يرى الكاتب والصحفي الفرنسي تيري ميسان أن المحتجين في تركيا لا يتظاهرون ضد نمط الحكم الاستبدادي لرجب طيب اردوغان , وإنما يتظاهرون ضد سياسته , أي ضد الأخوان المسلمين , والذي هو مرشدهم .

كما أنها ليست ثورة ملونة في ساحة تقسيم ضد مشروع عمراني , وإنما ثورة بكل الأبعاد في كافة أرجاء البلاد . باختصار إنها ثورة حقيقية وضعت «الربيع العربي « موضع شكوك .‏

تمتد الاحتجاجات التركية في جذورها إلى التناقضات التي تميزت فيها حكومة اردوغان . حيث كشفت تلك الحكومة بعدما جرى تسويقها على أنها « الديمقراطية – الإسلامية « ( وفق نموذج الديمقراطية – المسيحية ) عن طبيعتها الحقيقية في ضوء « الثورات الملونة » للربيع العربي .‏

ويوجد في عالم السياسة الداخلية والخارجية ما هو قبل وما هو بعد هذا التبدل . قبل هذا التبدل شهدنا عملية اختراق المؤسسات . وبعد هذا التبدل صار التحول إلى التعصب المذهبي . قبل كان لدينا نظرية أحمد داوود أوغلو « صفر مشاكل « مع دول الجوار . ويبدو أن الامبراطورية العثمانية السابقة قد فاقت من سباتها وعادت إلى الواقع . وما حصل هو عكس ذلك تماماً , فقد عاد التعكير إلى علاقاتها مع جيرانها ودخلت في حرب ضد سورية .‏

الإخوان المسلمون‏

ويقف وراء هذا التبدل الكلي الأخوان المسلمون . وهو تنظيم سري ينتسب إليه اردوغان وفريقه, على الرغم من إنكارهم ذلك . وفي حال كان هذا التبدل سابقاً لمثيله في قطر , الممول الرئيسي للإخوان المسلمين , فإنه يحمل نفس السمة , أي أنظمة استبدادية كانت تبدو معادية لإسرائيل كشفت فجأة عن تحالفها العميق .‏

ويجدر التذكير هنا أن المصطلح الذي استخدمه الغرب ( الربيع العربي ) كان عبارة عن شرك للإيهام أن الشعب التونسي والمصري هو الذي أطاح بأنظمة الحكم لديهم . ولو كان هناك ثورة شعبية في تونس , لم تكن لتهدف إلى تغيير نظام الحكم , وإنما الوصول إلى ثورة اقتصادية – اجتماعية . إذ إنه بأوامر من الولايات المتحدة وليس بضغط الشارع غادر بن علي ومبارك السلطة . ومن ثم فإن الناتو هو الذي قلب نظام حكم القذافي واغتاله . وأخيراً الناتو ومجلس التعاون الخليجي هم الذين يؤججون مهاجمة سورية .‏

وفي جميع أنحاء شمال أفريقيا – باستثناء الجزائر – استلم الاخوان المسلمون السلطة بمساعدة هيلاري كلينتون , وفي كل مكان لهم مستشارون من الأتراك وضعهم اردوغان تفضلاً تحت تصرفهم . وفي كل مكان لم تكن الديمقراطية سوى واجهة سمحت للأخوان المسلمين بأسلمة المجتمع مقابل تقديم دعمهم للرأسمالية الليبرالية الزائفة للولايات المتحدة .‏

ويعود مصطلح « أسلمة « إلى خطاب يتبناه الأخوان المسلمين , وليس إلى الواقع . حيث يتطلع الأخوان إلى التحكم بالحياة الخاصة للفرد مدعين الرجوع إلى مبادىء في القرآن . يدعون إلى التشكيك بموقع المرأة في المجتمع ويفرضون حياة تقشف حيث لا كحول ولا دخان ولا جنس , على الأقل بالنسبة للآخرين .‏

ومنذ عشرة أعوام بدأن تسجل جماعة الأخوان تميزاً , من خلال تسليمها مسألة التحول في التعليم العام لرعاية جماعة فتح الله غولن , التي يعتبر الرئيس عبد الله غول أحد أعضائها .‏

وعلى الرغم من ادعائها كرهها لأسلوب الحياة الأميركية , إلا ان جماعة الأخوان جاؤوا تحت العباءة الأنكلو- ساكسونية ( الولايات المتحدة , بريطانية وإسرائيل ) الذين عرفوا كيف يستخدمون العنف ضد من يقاومهم . وقد ضمت وزيرة الخارجية الأميركية السابقة هيلاري كلينتون إلى طاقمها الدبلوماسي هوما عابدين وهي إحدى حراسها الشخصيين ( زوجة النائب الصهيوني المستقيل انطوني واينر ) والدتها صالحة عابدين التي تقود الفرع النسائي العالمي للأخوان . وبهذه الطريقة يتحرك الأخوان .‏

وضمن هذا الإطار , يعتبر الأخوان المصدرين لفكر القاعدة , وعبر أحدهم وهو أيمن الظواهري , منسق عملية اغتيال الرئيس السادات ورئيس التنظيم الإرهابي الحالي . والظواهري مثل أسامة بن لادن كان عميل للاستخبارات الأميركية . وفي الوقت الذي كانوا يعتبرونه رسمياً العدو العام , كان يلتقي الظواهري بانتظام بوكالة الاستخبارات الأميركية السي أي ايه في السفارة الأميركية في العاصمة الأذرية باكو من عام 1997 إلى عام 2001 , وتلك هي شهادة المترجمة سيبل ادمون التي جاءت ضمن إطار عملية غلاديو B .‏

وقد ادعى اردوغان خلال فترة سجنه عن قطعه علاقاته مع الإخوان وتخليه عن الحزب . وعقب ذلك تم انتخابه وفرض نفسه ببطء ديكتاتورياً . حيث قام بتوقيف وسجن ثلثي جنرالات الجيش بتهمة المشاركة في شبكة غلاديو , وهو تنظيم سري يتبع للولايات المتحدة . وقد سجلت تركيا في عهده أكبر سجن للصحفيين في العالم . وهذا تم بتغطية من قبل وسائل الإعلام الغربية التي لا تستطيع انتقاد عضو في الناتو .‏

هذا ويعتبر الجيش هو الحارس لتقاليد العلمانية التي أرسى أسسها كمال اتاتورك . وعلى الرغم من ذلك , انتاب القلق كبار الضباط الاتراك من التحول الشمولي للولايات المتحدة في أعقاب هجمات 11 أيلول . وقاموا بالاتصال مع نظرائهم في روسيا والصين . ومن أجل وقف هذا التوجه قبل فوات الأوان ذكر القضاة موالاتهم للولايات المتحدة فيما قبل .‏

وفي حال كان يمكن أن يكون الصحفيون , مثلهم مثل أي مهنة أخرى مارقين , فإن معدل سجنهم الأعلى نسبة في العالم يعود سببه إلى السياسة وهي سياسة البلطجة والقمع . وباستثناء تلفزيون الولصال , تحول التلفزيون إلى منبر رسمي لكيل المدائح للحكومة , وعلى منواله سارت الصحافة المكتوبة .‏

كما وكانت السياسة الخارجية للوزير اوغلو موضع استهزاء . حيث وبعد سعيه إلى حل المشاكل التي لم تجد الامبراطورية العثمانية حل لها قبل قرن من الزمن , أراد أن يستخدم اوباما ضد نتنياهو من خلال تنظيمه اسطول الحرية . ولكنه وبعد شهرين من عملية القرصنة الإسرائيلية للأسطول , وافق اوغلو على إنشاء لجنة تحقيق دولية مكلفة بطمس القضية واستئناف العلاقات سراً مع إسرائيل . ومؤشر التعاون بين الأخوان والقاعدة هو أن الجماعة وضعوا على السفينة مهدي الحاتاري , الشخص الثاني في تنظيم القاعدة في ليبيا والعميل البريطاني المحتمل .‏

والسؤال كيف أفسدت تركيا ليس سنين من العمل الدبلوماسي لترميم علاقاتها الدولية فحسب , بل أيضاً أفسدت نموها الاقتصادي ؟ في عام 2011 , شاركت تركيا في الحرب ضد ليبيا , والتي تعتبر إحدى شركائها الاقتصاديين الرئيسيين . ولما انتهت الحرب ودُمرت ليبيا فقدت تركيا سوقاً لها . وبالتوازي مع ذلك انخرطت في الحرب ضد جارتها سورية , والتي كانت قبل عام من ذلك وقعت معها على اتفاق تحرير التجارة بينهما . والنتيجة غير المتوقعة , انخفاض معدل النمو من 9,2% عام 2011 إلى 2,2 % عام 2012 ولا يزال الانخفاض مستمر .‏

ومن جهة تمول الحكومة فيلم فاتح 1453 وتخصص له ميزانية ضخمة من أجل الاحتفال بالسيطرة على القسطنطينية . ومن جهة أخرى تحاول منع عرض المسلسل التلفزيوني ( حريم السلطان ) الأكثر شعبية في الشرق الأوسط , لأنه لا يعطي صورة سلمية عن حقيقة العثمانيين .‏

لقد حرص الإعلام الغربي على إبراز أسباب الانتفاضة التركية الحالية في : مشروع تطويري عمراني في اسطنبول , حظر المشروبات الكحولية في المساء أو الإعلان عن بيانات مشجعة لرفع معدل الولادة . وكل هذا صحيح , ولكنها لا تعمل ثورة .‏

لدى كشفها عن طبيعتها الحقيقية , انفصلت حكومة اردوغان عن شعبها . وفي الواقع لا يدعم البرنامج المتخلف والمنافق للإخوان سوى أقلية تركية . ومن خلال إلقاء نظرة على التركيبة السكانية في تركيا , فإنه من الواضح من الناحية الاحصائية أن حكومة اردوغان لا يمكنها الصمود في وجه هذه الانتفاضة التي أشعلتها سياسته .‏

ومع إسقاط الشعب التركي لحكومة الأخوان المسلمين لن تحل مشاكلهم فحسب , بل ستنتهي الحرب ضد سورية . وكنت أشير دوماً إلى أن هذه الحرب سوف تنتهي عندما يختفي أحد رعاتها الخارجيين . وسيكون هذا قريباً . وسوف يضع حداً لتمدد الأخوانية . كما وأن سقوط اردوغان سيعلن عن سقوط أصدقائه : الغنوشي في تونس ومرسي في مصر . ومن غير المرجح أن تستطيع هذه الحكومات المصطنعة والمفروضة من خلال انتخابات مزورة البقاء على قيد الحياة بعد زوال عرابهم القوي .‏

 بقلم تيري ميسان‏

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *