في صراع المثقف والواعظ صارت الغلبة بعد 1967 للواعظ… بهاء طاهر: الإخوان أعداء التفكير..

في صراع المثقف والواعظ صارت الغلبة بعد 1967 للواعظ… بهاء طاهر: الإخوان أعداء التفكير..


رسم إدوارد سعيد المفكر الفلسطيني الراحل صورة للمثقف باعتبارها ذلك الشخص الإشكالي المزعج والمقلق دائماً للسلطة..: «مهمته أن يطرح علناً للمناقشة أسئلة محرجة ويجابه المعتقد التقليدي والتصلب العقائدي بدلاً من أن ينتهجهما…

ويكون شخصاً ليس من السهل استيعابه، وأن يكون مبرر وجوده تمثيل كل تلك الفئات من الناس والقضايا التي تنسى ويغفل أمرها على نحو روتيني». كان يتساءل دائماً هل يمكن أن نجد في ثقافتنا العربية ذلك النوع من المثقفين؟‏

قد يتبادر إلى الذهن شخصيات عديدة.. ولكن بالتأكيد سيحتلّ بهاء طاهر المقدمة.‏

ورث بهاء من والده الشيخ الأزهري النهم الشديد للقراءة والاعتزاز بالنفس، ورث عن والدته الحساسية المفرطة أحياناً.. حساسية جعلته يرفض لسنوات قبل الثورة مطالعة الجرائد ومتابعة نشرات الأخبار، وتحديداً بعد أن ضربت إسرائيل غزة.. وقتها أصيب بالاكتئاب الشديد لعجزه عن أن يفعل شيئاً بينما يقتل الأطفال بالقنابل يوماً وراء آخر ويلف العالم صمت عن الجرائم… في ذلك الوقت لم يتخلّف بهاء عن الكتابة ليفضح هذا الصمت، أو المشاركة في التظاهرات باعتبارها «واجباً وطنياً». نال نصيبه من القنابل المسيلة للدموع أو العنف المفرط من جانب السلطة أحياناً.. حتى قبل أيام من اندلاع الثورة المصرية.‏

في أول أيام الثورة (25 يناير) أصيب بهاء طاهر بجلطة في ساقه. لم يعرف الكثيرون بالأمر لأن صاحب «الحب في المنفى» كثيراً ما كان يتحامل على ساقه المتعبة ويتواجد في الميدان. الأسبوع الماضي تقريباً، كان ينهي جلسات العلاج الطبيعي ويتجه، أيضاً مستنداً على عصاه، لمساندة المثقفين ودفاعهم عن الثقافة، لم يتردد أن يستقيل من المجلس الأعلى للثقافة ويتنازل عن جائزة مبارك أثناء ال 18 يوماً.‏

الموقف نفسه الآن يعيده بهاء باستقالته من المجلس الأعلى للثقافة بعد تعيين وزير ثقافة مهمته «تجريف الثقافة المصرية»… بهاء لم يتردد الأيام الماضية على أن يخرج من بيته في درجة حرارة مرتفعة كي يساند شباب الثورة والفن في وقفاتهم ضد «تجريف الثقافة»… لم يتردّد في «احتلال مكتب الوزير» والاعتصام به للمطالبة برحيله.. لم يبحث عن صوره «كأفندي».. أو ما يجرّه عليه هذا الموقف من مشكلات فيما بعد.‏

في سنوات السبعينيات واجهت الثقافة المصرية تقريباً الوضع ذاته.. الرئيس السادات ينظر للمثقفين بريبة.. يختار المنفى كثيرون في تغريبة اعتبرت «التغريبة الكبرى» في الثقافة المصرية.. كان ممنوعاً نشر أي أعمال لأهم كتاب مصر بل من الممنوع ذكر أسمائهم في الصحف أو الإشارة إليها… أغلقت كل مجلات الثقافة «اليسارية».. مثل الطليعة وغيرها… هاجر المثقفون بأقلامهم وبأجسادهم، وقائع عندما يتذكرها صاحب «الحب في المنفى» يشعر بالتفاؤل لأن «الثقافة خرجت منتصرة في هذه المعركة، رغم أننا كنا قوة ضعيفة في مواجهة سلطة دولة بأكملها، وسلطة الوعاظ الذين جلبهم السادات من دول الخليج»… يضحك: «كان هناك مجلة اسمها الجديد، يرأس تحريرها رشاد رشدي كانت تخصص أعداداً خاصة لشتيمة توفيق الحكيم ونجيب محفوظ.. ولكن لم تبق المجلة ولا الشاتمون.. وبقي الحكيم ومحفوظ». المشهد الحالي هو تكرار لمشهد قديم إذن، مشهد بائس.. ولكنه أكثر خطراً: «لأن سلاح الدين هذه المرة يستخدم بشكل بائس، عندما يصف شخص أدب نجيب محفوظ بأنه أدب «دعارة».. ويستخدم الدين كحجة وسط جمهور ليس لديه ثقافة كافية للفرز يأتي من هنا الخطر». يضحك بهاء طاهر قبل أن يوضح: «قرأت مجموعة قصصية لعبد الجليل الشرنوبي الذي كان منضماً لجماعة الإخوان وكان رئيساً لتحرير موقع «إخوان اونلاين».. كتب في مجموعته أنه عوقب في الجماعة، لأنهم وجدوا لديه روايتي «الحب في المنفى» ونصحوه وقتها ألا يعاود قراءة مثل هذه الكتب مرة أخرى… هذه جماعة تدرب أعضاءها على السمع والطاعة.. وليس لديها علاقة بالثقافة، وآخر فرد فيها كان لديه علاقة بالثقافة هو سيد قطب في مرحلته الليبرالية، التي اعتبرها تاريخاً لم يكن.. الثقافة تفكير.. وهم ضد التفكير، ولا يريدون سوى السمع والطاعة»‏

المثقف والمناصب‏

بعد الثورة رفض بهاء طاهر منصب وزير الثقافة، هو يؤمن أن المثقف لا ينبغي أن يكون في وزارة ما، يكفيه أن يكتب ويقول كلمته. سألته: ولكن طه حسين قبِل الوزارة في وقت من الأوقات؟ يجيب: «لست في مرحلة وحالة صحية تسمح لي بهذا المنصب. أنا أعيش الآن مرحلة كناسة الدكان، لا أطمع في منصب ولا أرغب في إثارة..». سألته: ولكن لو قبلت وزارة الثقافة ما الخطط التي كنت ستقوم بتطبيقها؟ يصمت قليلاً قبل أن يجيب: الخطط التي يمكن أن أقوم بتطبيقها هي تطبيق حرفي لوصايا طه حسين في «مستقبل الثقافة في مصر»… هل الأمر كارثة أن نعود إلى أفكار مضى عليها أكثر من 80 عاماً وكأن المجتمع لم يتطور أو يتحرك؟ يجيب: «ليس من العار أن نعترف أن هناك عقليات جبارة، تعيش ويستمر دورها طويلاً في المجتمع حتى بعد موتها، ولكن لو أردت أن أنفذ أفكار عميد الأدب العربي سأنفذها في ضوء المعطيات الجديدة، حيث وسائل الاتصال التي لم تكن موجودة أيامه.. ولكن الأهم أن الفكرة الرئيسية للعميد هي: «تعليم من أجل الديموقراطية» وهو ما ينبغي أن نعمل جميعاً من أجله الآن.‏

إهمال الثقافة في المجتمعات العربية، وتراجع دورها هو ما جعل الساحة خالية للثقافة السلفية والإخوانية… لذا يرى: «إنها معجزة أن يكون هناك جمهور للأدب وسط الطغيان الإعلامي الترفيهي، والرياضي، ووسط التعليم البالغ الرداءة، والأزمات الاقتصادية التي تجعل الكتاب في أدنى اهتمامات المواطن العادي.. حقيقة لا أعرف حلاً لهذا اللغز؟»‏

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *