الوزير الراجف وهجمة المخاوف..

الوزير الراجف وهجمة المخاوف..

مانويل فالس أو عمانوئيل الزائف وزير الداخلية الفرنسي راجف خائف !! . ولكن , ما الذي يخيف هذا الوزير ؟ .

علينا أن نصدّق بأنّ سرّ خوفه يكمن في احتمال عودة عددٍ ممّن يسمّيهم بالجانحين , من بين 120 فرنسياً يعرفهم الوزير واحداً واحداً , كانوا قد غادروا فرنسا تحت رعايته وعنايته بهدف المساهمة في سفك الدم السوري , بعدَ أن يكون هؤلاء قد مارسوا تدريبات عملية على ممارسة القتل والتخريب !! .‏

ألا يبدو مثلُ هذا الادّعاء مثيراً للسخرية ؟ .‏

فالوزير الذي يعرف بالضبط عدد الإرهابيين الذين غادروا فرنسا باتجاه سورية , ويعرف – كما جاء في تصريحه – أن عدد من اجتازوا منهم الحدود السورية بالفعل إلى سورية هو 24 إرهابياً , ممّا يدلُّ على أنه يلاحق هؤلاء « على الدعسة « أو يتولى إدارة حملتهم بنفسه , لا يستطيع إقناع أحد بأن عملاء المخابرات الفرنسية لا يتواجدون في وسطهم , أو أن أغلبيتهم ليسوا من عملاء هذه المخابرات . ولعل المقارنة بين عدد من غادروا فرنسا / 120 شخصاً / ومن تسللوا إلى داخل الأراضي السورية بالفعل /24 شخصاً / تشي بحقيقة الوضع , إذ أن وجود الغالبية خارج الأراضي السورية يعني أنهم يتولون مهام معينة تتطلب تواجدهم في تركيا أو لبنان أو الأردن أو الجولان . وهذا يعني أن تلك الحفنة من الجانحين الناجين من الموت , والعائدين إلى فرنسا , لا يمكن أن تمثل مشكلة للحكومة الفرنسية, أو أن تنغّص على الوزير الفرنسي حياته , أو أن تؤرقه وتحرمه النوم. فكل ما يحتاج إليه الأمر تجهيز عدد من « الكلبشات » في المطارات أو الموانئ, بحيث تكون هذه الأغلال في استقبال هؤلاء « الأبطال » !! . ولا نظن أن فرنسا تعاني من نقص الأغلال عند شرطتها .‏

وما دامت المسألة على هذا النحو , فإنّ مخاوفَ الوزير لابدّ وأن تكون لها دوافع أخرى غير ما زعم , ولا يحبُّ الكشف عنها أمام الناس . فما هي هذه الدوافع ؟ .‏

يقال في الأمثال « كادَ المريبُ أن يقولَ خذوني » . والحكومة الفرنسية لم تنفكّ خلال الأشهر القليلة الماضية عن تكرار أسطوانتها المشروخة عن وجود عيّنات من التربة لدى مخابراتها حول استخدام سورية لأسلحة كيميائية . ونحنُ نعرف أن العصابات الإرهابية استخدمت سلاحاً كيميائياً بالفعل في خان العسل , كما نعرف أنه عثر على أسلحة كيميائية منها غاز السارين مع مسلحي « جبهة النصرة » و « القاعدة » سواء في سورية أو العراق أو حتى تركيا . والسؤال الآن : هل من صلة محتملة لفرنسا بهذه القصة ؟ . وبصياغة أخرى : هل فرنسا هي التي زوّدت الإرهابيين بغاز السارين أو أسلحة كيميائية أخرى ؟ . وهل خبراؤها هم من يدرّبون الإرهابيين على استخدامه ويتحكمون بهذه العملية ؟ أم أن عملاءها هم من يتولون العملية من أولها إلى آخرها ولكن منتحلين صفة هذه العصابة الإرهابية أو تلك كغطاء في حالة إلقاء القبض عليهم أو مصرعهم وافتضاح أمرهم ؟ .‏

ما يعطي لهذا السؤال صدقيته عملياً , أن فرنسا انشغلت خلال الأشهر القليلة الماضية في الحديث عن حصول مخابراتها على عينات من التربة السورية الملوثة بآثار أسلحة كيماوية , محاولة استثمار ذلك . وهذه العملية – أي عملية جمع عيّنات التربة الملوثة – في حدّ ذاتها , تعني أن خبراء في هذا المجال مكلفين من المخابرات الفرنسية يرافقون العصابات المسلحة , ويواكبون مثل هذه الأسلحة , للوصول بها إلى المسرح المطلوب استخدامها فيه , ليقوم هؤلاء العملاء بعد ذلك بجمع العينات , والادّعاء أنهم حصلوا على أدلة .‏

وعلى هذا النحو , فإن ما تعتبرها فرنسا أدلة إدانة لسوريا هي في الواقع أدلة إدانة للسلطات الفرنسية , لأن إبراز فرنسا لمثل هذه الأدلة الملفقة ولكن من خلال تلويث التربة بالفعل يعني اعترافاً منها بانتهاك سيادة وحرمة الأراضي السورية , والتآمر لتزوير اتهامات , حتى ولو تسبّب ذلك في قتل سوريين , وإلا فما هي الصدفة التي تجعل مخابراتها تتواجد حيث يستخدم سلاح كيميائي ؟ وما هي الصدفة التي تجعل عملاء مخابراتها لا يقتلون بسبب استخدام سلاح كيميائي في أماكن تواجدهم ؟ .‏

والآن , وفي ضوء هذه اللعبة بالذات , نستطيع أن نفهم ممّ يخاف الوزير عمانوئيل الزائف .‏

إنّه يخافُ أولاً من افتضاح أمر فرنسا , وسلاحها الكيميائي المدسوس, وعملائها المندسين , بعد أن دارت الدائرة على العصابات الإرهابية , ومقراتها ومستودعاتها , بدءاً من معركة القصير , حيث أن احتمال القبض على فرنسيين مقترناً باكتشاف سلاح كيميائي بحوزتهم أو في مكان تواجدهم سيعني ضبط فرنسا متلبسة .‏

ولعله يخافُ ثانياً من جنوح بعض عملاء المخابرات الفرنسية الذين أرسلوا إلى سورية للمشاركة في هذه العملية بعد احتكاكهم مع « القاعدة» للانضمام إلى القاعدة , بحيث يعود هؤلاء إلى فرنسا بعد أن يكونوا قد أقسموا يمين الولاء لأمير ما من القاعدة , مزوّدين أصلاً بخبرة تصنيع الأسلحة الكيميائية . ولعل اللغز الكامن وراء هذا الخوف يكمن في أن هؤلاء العملاء جرى اختيارهم أصلاً من فرنسيين أصولهم عربية وإسلامية ليسهل اندساسهم في العصابات الإرهابية والتظاهر بالانضمام إليها . فما الذي يضمن للوزير ألا يتحول هؤلاء إلى أنصار فعليين للقاعدة بينما هم معتمدون على قوائم مخابراته كعملاء ينفذون مهمات محددة ؟ .‏

ولعل وزير الداخلية الفرنسي يخاف حتى من وضع الأغلال في أيدي الجانحين العائدين إلى باريس , لأنه سيكون مضطراً لمحاكمتهم باعتبارهم مواطنين فرنسيين . وفي المحاكمة سيكون هناك مجال « لسحب الزير من البير » , ومعرفة بعض أسرار الدور الفرنسي القذر في الحرب على سورية. وهذا ما يجعل الحكومة الفرنسية تفضل أن يقتل هؤلاء في سورية أو أن يلقى عليهم القبض في بلد شريك لفرنسا , وقادر على احتجازهم دون محاكمة , حتى لا يعودوا إلى فرنسا مع أسرارهم وأسرار حكومتها .‏

إن المخاوف السابقة هي في الواقع ما يمكن أن نسمّيه بـ « الخوف الأصغر » . فـ « الخوف الأكبر » والداهم الذي ينتاب المسؤولين الفرنسيين اليوم ربما تمثل في المصير المجهول لمراسلي محطة أوروبا – 1 المراسل دوديه فرانسيس والمصور إدوارد إلياس , بعد إعلان باريس عن انقطاع الاتصال معهما بعد أن كانا قد اجتازا الحدود التركية إلى داخل الأراضي السورية . فما لم يكونا قد قتلا في مكان ما دون أن ينتبه إلى مصرعهما أحد , يرجّح – وهذا هو الكابوس الذي يرعب حكام فرنسا – أن يكونا قد احتجزا من قبل « جبهة النصرة » , خاصة وأن انقطاع الاتصال معهما جاء بعد إدراج جبهة النصرة على قائمة الإرهاب بقرار من مجلس الأمن بناء على طلب فرنسي – بريطاني .‏

وإذا صحّ أنهما اعتقلا من قبل « جبهة النصرة » أو جماعة شبيهة بها , فإنه سيكون هناك سيناريوهان محتملان حول مصيرهما :‏

– الأول : أن تحتفظ بهما جبهة النصرة أو الجماعة المشابهة كرهائن لابتزاز حكومة فرنسا المتورطة في محاربة القاعدة في مالي . وهو سيناريو يفترض وضع مصيرهما بين يدي قيادة تنظيم « القاعدة » .‏

– والثاني : أن تفاجأ السلطات الفرنسية بفيلم مصوّر تعمّمه جبهة النصرة أو إحدى الجماعات الأخرى , توثق فيه محاكمة , وذبح المراسلين الفرنسيين . وقد يكتمل الطقس بتسليمهما إلى « المجاهدين» القادمين من بلجيكا , حيث يقطع رأساهما , وينكل بهما , وقد يصل التنكيل إلى حدّ الأكل من لحمهما مشويّاً , ويتم إهداء المشاهد المصوّرة للجمهور الفرنسي والأوروبي كتعبير عن الغضب من الدور الذي تلعبه فرنسا ضد القاعدة في مالي .‏

من المؤكد أنه إذا ما جرى بث مثل هذا الفيلم عن مصير المراسلين , فإن حكومة فرنسا ستسعى بكل السبل والوسائل لحجب بثه عن الجمهور , لا حرصاً على مشاعر الجمهور , ولكن لأن ردّ فعل الجمهور الفرنسي على سلوك حكومة فرنسا التي تسلح القاعدة في سورية وتحاربها في مالي , سيكون مماثلاً – وربما أشدّ بكثير – من ردّ فعل الجمهور التركي في مواجهة حكومة أردوغان . وربيع تركيا قد يمتد عندئذ غرباً ليصل إلى باريس . فإذا كان قيام الإرهابيين بأكل لحم البشر من السوريين لم يحرّك الرأي العام الأوروبي , فإن طيران رأسي مراسلين فرنسيين أوروبيين والتنكيل بهما من قبل الإرهابيين الذين يدعمهم الغرب , قد يكون كافياً لجعل الرأي العام الأوروبي يدرك مع أيّ عصابات يتعامل حكامه . فهم يتبنون عتاة المجرمين بهدف قتل السوريين ثم يتظاهرون برقة المشاعر والخوف على حياة مواطنيهم إزاء احتمال عودة بعض « الجانحين » .‏

يقال إن أعظم النار قد تأتي من مستصغر الشرر . ومكر الزمن في كشف حقيقة الأدوار القذرة التي لعبتها أطراف « ائتلاف الثمانين » بقيادة الولايات المتحدة ضد سورية قد يقود إلى نتائج لم تكن تخطر لأحد على بال. فالمزاج الشعبي الآن في كثير من دول العالم بات مختلفاً عمّا كان عليه قبل فترة قصيرة من الزمن .‏

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *