حرب النيل بين المساومات الدبلوماسية والتحدي المصيري..

حرب النيل بين المساومات الدبلوماسية والتحدي المصيري..

الشح السياسي الذي يتسم به الأداء المصري على المستويين الداخلي والخارجي، يتلاقى على غير موعد مع شح آخر هو الشح المائي الناتج عن الاستراتيجية الجديدة لدول منابع النيل .

والسؤال : هل تنجح مصر التي تعاني من كمٍٍِِ هائلٍ من الاختناقات السياسية والاقتصادية – ليس أقلها الاختناق الديمقراطي- في كسب المعركة الدبلوماسية التي تخوضها، أم إنها ستكون مرغمة في النهاية على خوض معركة عسكرية من أجل استعادة حقوقها المائية وبالتالي دورها في إفريقيا واستطراداً في المنطقة ؟‏

الأيام الأخيرة كشفت بوضوح تام أبعاد المؤامرة على مصر فيما يتعلق بمياه النيل بإعلان أثيوبيا عن افتتاح سد كبير على النهر . والمفارقة أن من يقرأ هذا الكلام يتصور أن دولة نفطية كبيرة هي التي مولت السد وليس أثيوبيا التي تعاني منذ زمن طويل المجاعة والفقر المدقع، والتي نزح ما لا يقل عن 500 ألف من سكانها إلى السودان هرباً من المجاعة .‏

والمفارقة الثانية أن الحكومة الأثيوبية تزعم أن السد مخصص لتوليد الكهرباء واستصلاح الأراضي الزراعية في حين أن المنطقة المحيطة بالسد منطقة صخرية لا تصلح للزراعة .‏

هذا يعني أن أثيوبيا مصممة مرة أخرى ، على أن تخوض حرباً بالوكالة ، كعادتها عندما اجتاحت الصومال ، وتورطت حتى أذنيها في تهجير يهود الفلاشا إلى «اسرائيل» علماً أن أعداداً كبيرة من المهاجرين هربت من المجاعة وليس إلى «جنة اسرائيل».‏

وهو يعني في جملة ما يعني ، أن المؤامرة واضحة على مصر ، وأن أثيوبيا تطوعت كرأس حربة في خدمة مخطط تقف وراءه «اسرائيل» منذ سنوات ،لأن أديس ابابا عاجزة وحدها عن بناء سد لو أن كلفته لا تتجاوز عشرة ملايين دولار . لكن المراهنة على الصبر المصري قد تكون خاطئة لأن المؤامرة تستهدف 80 مليون مصري في حياتهم اليومية والنظام المصري – ولو انه أظهرحتى الآن قدراً كبيراً من الضعف والتسامح- لا يستطيع احتمال احتباس حصة مصر من مياه النهر . لأنه يحكم بذلك على نفسه وعلى الشعب المصري كله بالإعدام . وفي حال استمرار المؤامرة ،فإن العد العكسي للحرب لن يتأخر ، وتدمير السد الأثيوبي لا يحتاج إلى معجزة عسكرية ، وإنما إلى قرار سياسي.‏

والكلام على الحرب بدأ في الأروقة المصرية ومرده إلى الأسباب الآتية :‏

أولاً ، إن مصر تتعرض بالفعل هذه الأيام لمؤامرة متكاملة الجوانب على المستويات كافة ، من الدور الاستراتيجي القومي العربي ، إلى الأمن القومي الجغرافي، ومن الريادة الفكرية والقيادية (في الزمن الناصري ) إلى الاكتفاء الاقتصادي والكفاية الاجتماعية. هذه المؤامرة لم تكن واضحة المعالم تماماً في العام 1979 عندما خرجت مصر- أو أخرجت-من الصراع العربي – الاسرائيلي، إذ لاح في الأفق يومذاك أن السلام سيكون فرصة للبناء الذاتي ، وقد تبين مع الوقت أن الصورة لم تكن على هذا النحو ، لأن السلام الذي كان يفترض أن يقود إلى نظام شرق أوسطي جديد لمصرفية موقع قيادي،جاء بنتائج عكسية لأنه في النهاية استبعد مصر لحساب تركيا وايران ، فضلاً عن «اسرائيل» وبات «الأخ الأكبر» على مستوى الدور القومي والإقليمي ، أخاً منسياً في معظم الحالات عندما يتعلق الأمر بالقرارات الاستراتيجية الكبرى.‏

ثانياً إن الدور المصري في بعده الإفريقي مهدد أيضاً لأنه يتعرض اليوم لتحديات هي الأولى من نوعها في تاريخ أرض الكنانة ، إذ تتحرك دول منبع النيل بدفع من «اسرائيل» لتقليص حصة مصر من مياه النهر ، الأمر الذي يعني خنق الاقتصاد المصري عطشاً، وتحويل مصر من قوة زراعية- صناعية إلى اقتصاد خدمات، أي اقتصاد ريعي – سياحي يتناقض تماماً مع طبيعة الاقتصاد المصري التاريخية.‏

في غمرة هذه المعطيات، وهي عبارة عن مجموعة استحقاقات ساخنة ،على المستويات السياسية والأمنية كافة ، يطرح السؤال من أين يبدأ الحل ؟حتى الآن تخوض مصر معركة دبلوماسية ، أي إنها تمد يدها إلى دول حوض النيل ، مقرونة باقتراحات تسوية مشتركة وشاملة ،شرط سحب مياه النهر من بورصة المساومات السياسية ،لكن الأمر قد ينقلب في أي وقت إلىمبادرة عسكرية في حال شعرت القاهرة بأن أمنها الوجودي (أي المائي) بات في خطر حقيقي ، لسبب بسيط جداً وحيوي جداً ، وهو أنها لاتستطيع أن تضحي بمصالحها في حوض النيل ، ودورها في الشرق الأوسط ، كرمى لعيني واشنطن وحرصاًعلى عدم إغضاب «اسرائيل».‏

مصر هنا هي مصر ، أيا كان شكل الحكومة أو لونها في القاهرة ، ذلك أن «عبقرية المكان» التي تحدث عنها العبقري الجغرافي- الاستراتيجي جمال حمدان هي صاحبة القرار ، وهذا القرار لا يمكن إلا وأن يصب في نهاية التحليل لصالح دور خارجي مصري أكثر فعالية، بما لا يقاس في الدوائر العربية والأفريقية والإسلامية التي تحدث عنها جمال عبد الناصر . في مذكراته كتب حمدان بين عامي 1990 و1993 يقول : – مصر اليوم إما أن تحوز القوة أو تنقرض ، إما القوة وإما الموت ،فإذا لم تصبح مصر قوة عظمى تسود المنطقة فسوف يتداعى عليها الجميع يوماً ما كالقصعة، أعداء وأشقاء وأصدقاء، أقربين وأبعدين.‏

– من المتغيرات الخطرة التي تضرب في صميم الوجود المصري ، ليس فقط من حيث المكانة لكن المكان نفسه ، مايلي : لأول مرة يظهر لمصر منافسون ومطالبون ومدعون هيدرولوجياً (مائياً)‏

-كانت مصر سيدة النيل بل ملكة النيل الوحيدة . الآن انتهى هذا وأصبحت شريكة محسودة ومحاسبة ورصيدها المائي محدود وثابت وغير قابل للزيادة إن لم يكن للنقص والمستقبل أسود، ولت أيام الغرق بالماء وبدأت أيام الجفاف من الماء، لا كخطر طارئ ولكن دائم «الجفاف المستديم» بعد الري المستديم .‏

تنبؤات وكأنها كانت حين تسطيرها قبل نيف وعشرين عاماً قراءة في كتاب مفتوح صدر في عام 2010 . فالجميع في الشرق الأوسط وخارجه يتداعون ضد مصر الآن تماماً كا «القصعة» والجميع يشعر بأنه صاحب دور كبير في غياب الأخ الأكبر .‏

ما يجري حتى الآن هو أن مصر بدأت حملة دبلوماسية للحفاظ على حقوقها التاريخية ، والسؤال يبقى : هل تتراجع الدول التي قررت الانفراد بتقرير مصير النيل عن هذا التوجه، أم إن مستلزمات الأمن القومي المصري تستدعي فرض هذا التراجع بالقوة ، لأن حجم التحدي مصيري إلى درجة لا يمكن معها الاعتماد على المساومات الدبلوماسية ؟!‏

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *