البنك الدولي .. و سياسات التبعية و التدخل..

البنك الدولي .. و سياسات التبعية و التدخل..

الدول الغربية، على النقيض مما تجاهر به، تتسابق نحو سورية، في الخفاء، و تقدم لها عروضاً مغرية تسعى من خلالها إلى ضمان حصص شركاتها في مقاولات إعادة الإعمار واستخراج النفط والغاز

اللذين اكتشفت احتياطات هائلة منهما في الساحل السوري.‏

و معلوم أن البنك الدولي لا يتحرك دون إذن الولايات المتَّحدة، فقد قدم لسورية قرضاً بقيمة 21 مليار دولار، بشروط ميسرة، مبدياً رغبته في تمويل مشاريع إعادة الإعمار. و لكن سورية رفضت العرض كلياً.‏

تجارب الاقتراض في دول العالم الثالث كثيرة، وكلها لم تكن بمصلحة الدول المقترضة؛ لأن الاتفاقات مع البنك الدولي بمنزلة اتّفاقات مع الدّوائر الاستعماريّة، ففي كل تجارب العلاقة معه كانت ترهن أي بلد يقترض منه، و تمس بسيادة البلاد بسبب شروطه التي يمليها على الدول المقترضة، فتصبح الدولة مرغمة على تنفيذ سياساته وسياسات من وراءه من الدول الاستعمارية، فلم تجلب قروضه للدول سوى الإذلال والمهانة والفقر، و ثبت أن المستفيد الوحيد هم الدائنون الاستعماريون. و معروف دوره السلبي في الأزمة الاقتصادية الآسيوية 1997، و دوره الهدام في الأزمة المالية الأرجنتينية 2001. فقد كانت « التدخلات القيصرية لخبراء واشنطن التي توجهه هي ما أدى إلى تلك الكوارث، كما يقول خصومه. ولا تقتصر اتهامات خصوم البنك الدولي على اعتباره مرتهناً لإرادات أغنياء العالم، بل تتعدى ذلك إلى اعتباره أيضاً مجرد وسيلة أخرى ضمن وسائل إدامة الهيمنة الاقتصادية للدول العظمى التي أنشأته. و قد انتقد جوزيف ستيغليتز الاقتصادي الأميركي المعروف سياسة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وقال: إن المؤسستين الدوليتين تتلقيان الأوامر من وزير الخزانة الأميركي. و اعتبر أنه استقال من البنك الدولي بعد أن تبين له أن وصفات البنك الدولي و صندوق النقد هي وصفات للخراب الاقتصادي يدفع ثمنها الفقراء. فكلاهما مؤسستان من مؤسسات العولمة، فإذا أخفقتا في حل مشكلات الغرب فكيف يمكنهما حل مشكلات البلدان النامية ؟ ولا سيما أن عملهما يقوم على خلق الأزمات ثم التطوير تحت شعار الديمقراطية و التجارة، و الملكية الفكرية، و الموارد الطبيعية، و البيئة. فيتم خلق الأزمات ثم الإقراض وخلق أزمات إضافية ذات صلة بالديون. ليظهر أن صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وسيلتان للاستعمار الأميركي الجديد. وعملهما هو عمل سياسي بوسائل مالية، بدعم من اقتصادات الدول الكبرى، فتكون الدول النامية هي الضحية، لأنها ستكون عبارة عن ساحات مفتوحة لتنمية أموال المستثمرين من الدول الغنية، هذا مع استئثارها بالخامات و الثروات الطبيعية، و على رأسها البترول، وهذا يقتضي أن تحمل هذه البلدان التبعية، و تكون مجالاً للمنافسة، و محلاً للصراع على النفوذ و أسواقاً مفتوحة لمؤسسات الإنتاج الغربية. و يقتضي كل هذا أن تتكيف الإدارة السياسية في البلد لما فيه ضمانة حرية السوق وحرية الدخول والخروج للأموال المستثمرة، و هنا تكمن التبعية والخضوع للنفوذ والسيطرة. بل هذا ما يسمى بالاستعمار الجديد.‏

و وصفاته تؤدي إلى تفاقم الديون الخارجية و التي لا تقف عند الحدود الاقتصادية والاجتماعية، بل إنها تتجاوز إلى تعريض حرية صانع القرار السياسي إلى مزيد من الضغوطات و التدخل الأجنبي. و قروضه قادرة على التأثير في سيادة الدول، فيلعب البنك الدولي دور الشرطي الذي يلزم الدول المدينة بتوجهات معينة في سياساتها العامة، وهو ما يشكل مساساً بالسيادة الوطنية و استقلال القرار السياسي، وفرض تبعيتها للبنك الدولي والدول التي تحركه.‏

و لا شك في أن تفاقم القروض التي تحصل عليها دول العالم الثالث من البنك الدولي، و خصوصا الدول العربية عرضة لكثير من الضغوط القاسية، ووضع إمكانية حرية الحركة الاقتصادية والسياسية لها تحت القيود الناتجة عن المنح والقروض التي تحصل عليها من البنك الدولي ومؤسساته.‏

وعند تفاقم ديون الدول بسبب خدمة الدين والفوائد العالية إلى تدخل البنك الدولي في تمويل مشاريع تتعلق في مجال التربية والتعليم وفرض أجندات خاصة على التعليم. و لطالما وصلت أزمة الديون إلى مستوى حرج بعد التعثر في سداد خدمتها ظهر اتجاه بين صفوف الدائنين يدعو إلى مبادلة الدين الخارجي أو مبادلة الديون بحقوق ملكية في المشاريع التي تملكها الدولة في هذه البلدان، ما يؤدي إلى إخضاع السياسات الاقتصادية والاجتماعية في البلدان المدينة إلى مزيد من الرقابة والتبعية الخارجية. و هنا تتبدى هيمنة الدول المتقدمة ومؤسساتها المالية الدولية التي تحاول فرض سيطرتها على الدول النامية و دول العالم الثالث باستخدام القروض كأداة ضغط لتحقيق أهدافها و أطماعها عن طريق فرض تبعية هذه الدول لسياستها من أجل تحقيق أهدافها و مصالحها في المنطقة.‏

و الدول الاستعمارية التي لم تستطع تحقيق مآربها عن طريق الحرب بالوكالة التي تشن على سورية، لن تستطيع من خلال مؤسساتها الاستعمارية أن تداور لتكسب بالقرض ما عجزت عن كسبه بالحرب هنا في سورية.‏

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *