(إيبولا 76 ).. لأمير تاج السر … حكاية شخصيات معلّقة في قبضة (العدم )..

(إيبولا 76 ).. لأمير تاج السر … حكاية شخصيات معلّقة في قبضة (العدم )..

على حين صدمة.. يأتيه من الخلف.. كما فعل هو بضحاياه و اقتفى أثرهم.. يأتي مَن يلاحقه و يقتفي أثره.. يتتبع سير خطاه المهلكة و المميتة.

هي اللعبة التي يختارها هذه المرة قلم الروائي السوداني أمير تاج السر في روايته (إيبولا 76 )الصادرة عن دار الساقي.. حيث اللجوء إلى أسلوب يتميز بخلق الجديد.. ليس على صعيد الفكرة التي تكمن بإلقاء الضوء على جائحة مرضية هي هنا باسم (إيبولا).. بل الجديد في كيفية عرضه و رصده هذه الجائحة.. يلاعبها.. يمضي وراءها.. يلوي عنق غطرستها.. تماماً كما لوت أرواح ضحاياها.. ما يخلق لدى المتلقي إحساساً بكونه يتابع تفاصيل تفشي هذا المرض المهلك من الداخل..‏

بمعنى: يُقحَم القارئ ليبدو متابعاً للأحداث من وجهة نظر(إيبولا ).. يتأمّل بعينيه.. و هو ما تسرّبه طريقة تاج السر التي يشخص من خلالها مرض (إيبولا )طوال الوقت و كما لو أنه كائنٌ بشريٌ يحيا و يتنفس و يتربص بضحاياه خاطفاً أرواحهم.. كما في قوله بكذا موضع: ( ضحك إيبولا ).. ( كان إيبولا الرهيب يضحك، كأنه يسخر من السلاطين و أولياء عهودهم.. ).. و ( لن يجاملهم إيبولا، و لن يحترم مهنة الطب ).‏

بين يدي تاج السر يصبح المرض مشخصاً.. كأنه من لحم و دم.. يضحك.. يسخر.. و على مهلٍ يصيد الخلق.. و كأنما أراد الروائي الإيماء إلى أن المرض ملاصق لتلك البيئات التي يتحدث عنها ملاصقة لافتة.. حتى ليغدو عنصراً أساسياً في ترتيب لوحة الحياة في ذاك المكان..‏

لكن.. هل هي بالفعل لوحة حياة.. على الرغم من أن ما يقتنصه قلم الروائي و يهتم إليه هو (لوحة موت.. لوحة مرض.. لوحة عدم )..‏

إيراد النقيضين.. يشي أنها هي ذاتها الحياة التي أراد رسم ملامحها تاج السر دون أن تخلو من اللوحات الجزئية.. لكنها لوحات بشكل أو بآخر أساسية.. مكوّن قوي و خطير يبقى يلوح في وجه أناس تلك المناطق.‏

و عليه.. تنسحب الحكاية من كونها مجرد حكاية حفنة من البشر معلّقون في مهب (العدم ).. لتغدو حكاية بقعة جغرافية عُلّقت في قبضة الفقر و المرض و العوز و التآمر.‏

في (إيبولا )ينطق الروائي بلسان حال السواد الأعظم من القارة السمراء.. فلا همّ محلياً يود عرضه.. إنما همّ ينضح بلون القارة بعمومها. يتحدث بحكم انتمائه الأفريقي.. مظهراً ذاك النسيج البشري الحيوي المتنوّع في جنوب السودان.. حيث خليط من جنسيات وانتماءات عديدة تحيا في المكان (أنزارا )المدينة الواقعة على الحدود ما بين جنوب السودان و الكونغو.‏

في (أنزارا )يعيش لويس نوا العامل في مصنع للنسيج.. و في (الكونغو )تحديداً في العاصمة كينشاسا، يترعرع (إيبولا )و يكبر.. و عبر الجسر البشري (لويس نوا )ينتقل من كينشاسا إلى أنزارا.. هكذا يتتبع الكاتب رحلة المرض و كيفية انتقاله و تغلغله ثم حصده للأحياء الفقراء البسطاء من سكان تلك المناطق.‏

ينقل تاج السر عوالم تلك الأماكن.. و بطريقة أقرب إلى الغرائبية ينجح برسم ملامح صور تكاد تنطق لحيوات سكان تلك الرقعة من العالم.‏

إغراق الروائي بالبيئة المحلية.. بعوالمها (الأفريقية_الجنوب سودانية ).. و تعويمه لأهم خصائص المكان وساكنيه يكاد يقترب من أسلوبية أتباع (الواقعية السحرية ).‏

فالواقع الذي أراد طرق أبوابه..فُتِح أمامنا بكامل تفانين سحرية أسلوب تاج السر.. الذي يمشي الهوينا.. و يصيب مقصده دونما وقوع في إسفاف أو مبالغات.‏

تبدو المزاوجة لدى الروائي ما بين محاولة نقله لواقع مأساوي و بين اتباعه (السخرية )سبيلاً لرصده.. من أهم ميزات الكتابة عند تاج السر.. و كما لو أنه يتخذ من هذه (السخرية )وسيلةً للتخفيف من وطأة المرض و قسوة الواقع.. من ذلك قوله: (مات الكيني أنامي أوقيانو، ماتت بائعة الخمر التي اختلست القبلة من نوا ساعة قدومه من كينشاسا، مات عامل من عمال مصنع رياك، و ماتت حمامة ارتطمت بزجاج إحدى النوافذ ).‏

يبقى الروائي في (إيبولا 76 )أميناً في سيره على طريقة السرد التقليدية حيث البداية (المقدمة )التي يوطّئ بها لحكايته.. ثم عرض الحكاية.. و يلي ذلك كله النهاية التي باشر بها قائلاً: (القصة لم تنتهِ بعد، و الاحتمالات كثيرة ومعقدة.. ).. إلا أنه يموّه في اختياره أو عدم اختياره بطلاً أوحدَ.. فهل تقاسم (لويس نوا )و (إيبولا )البطولة.. مع أن العمل يمتلئ بشخصيات أخرى لا تقل أهمية و لا تميّزاً عن (لويس نوا ).. منها : صاحب المصنع (جيمس رياك ).. وعازف الغيتار (روادي مونتي )..‏

غالباً.. يبقى هناك انحيازٌ مبطن غير معلن إلى (المكان )مسرح الحدث- الأحداث.. و الجامع لكل تلك الشخصيات.‏

المكان.. بوصفه (أنزارا ).. أو جنوب السودان .. أو بلدناً أفريقياً.. يبقى نقطة الجاذب الأهم و الشغل الشاغل الذي يملأ الحيز الأكبر من تفكير الروائي.. الخارطة التي يفردها أمامنا مستعرضاً ما يميزها.. ما يشكل نقطة ضعفها ونقطة قوتها بالآن ذاته.‏

كل ما يقدمه تاج السر في روايته لا يبتعد عن السياسة. فهذا العرض لواقع حكاية، و لو قُدّم على اعتبارها محض خيال، لا يجافي واقع حال مجمل بلدان القارة السمراء. في العمل يقوم (الاجتماعي )بمهمة لفت انتباه.. غير مباشر لواقع سياسي.‏

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *