الفن بين الجماهيرية والنخبوية هل نجرده من إنسانيته؟!

الفن بين الجماهيرية والنخبوية هل نجرده من إنسانيته؟!


إذا كان الفن الجديد غير مفهوم من قبل الناس كلهم هذا بدوره يدل أن معانيه ليست بالعموم إنسانية . فهو ، بالإجمال ،

ليس فناً لكل الناس ، وإنما لفئة خاصة جداً من الناس يمكن أن تكون مساوية للآخرين ولكنها دون أي شك مختلفة عنهم .‏

هي فكرةٌ جاءت على لسان للفيلسوف الإسباني خوسيه أورتيغا إي غاسيت في كتابه الذي حمل عنوان تجريد الفن من النزعة الإنسانية الذي صدر حديثاً عن الهيئة العامة السورية للكتاب ترجمة جعفر العلوني .‏

ويتناول هذا الكتاب الذي ألفه إي غاسيت عام 1925 التغيرات التي طرأت على النظرة تجاه الفن فذاك التاريخ شكل لحظة مفصلية من تاريخ الفنون التي انتقلت فيها من كونها مشبعة بالنزعة الإنسانية والتبجيل العاطفي إلى انشغالها بالفن قصداً وحيداً بحيث تأتي هذه الدراسة لتبرير هذا الانتقال وتقديم الأسس الفلسفية والأطر النظرية له.‏

ويبين الفيلسوف الإسباني أن كل فن حديث سواء أكان موسيقا.. رسما.. شعرا.. مسرحا.. هو فن غير جماهيري مقارناً بين ظهور الفنون التي لاقت رواجاً واسعاً ولم يقف في وجهها إلا قلة من الذين أصروا على تقاليد المجتمع القديم في حين صارت الرومانسية نمطاً جماهيرياً كأحد أوائل منتجات الديمقراطية في حين أن الفن الحديث هو فن غير جماهيري في جوهره بل إن الأكثرية ضده وستظل كذلك لأنه موجه إلى أقلية موهوبة ما يثير غضب الأكثرية التي لاتفهم هذا الفن وتشعر أنه يعلو عليها.‏

ويبرز إي غاسيت في كتابه فنية الفن بمعنى أنه لا يأبه لأن يعبر عن مشاعر الجمهور العام وتطلعاته وآلامه وأفراحه بل يتجاوز كل ذلك إلى المتعة الجمالية فحسب دون التورط الانفعالي بالأحداث التي تغدو مجرد مادة أو موضوع بحيث لا يتم التعامل معه بهدف تصويره بل بهدف خلق حياة ومعنى جديدين له فالفن الحديث بحسب صاحب تمرد الجماهير لا يسعى إلى إنقاذ النوع البشري أو تزويده بالمعاني السامية كما كان في السابق بل يكتفي بالتلذذ بالأشياء كثمار فنية منقذا الإنسان من جدية الحياة فقط دون أن يعني ذلك دفاع الفيلسوف الإسباني عن منجزات الفن الحديث بل عن نية هذا الفن والإمكانات القابعة في جوهره وعن طريقه الذي لا عودة عنه ، وقد ورد على لسانه »أن المتعة الجمالية لدى الأكثرية ليست فعلاً روحانياً مختلفاً من حيث الجوهر ، عن الفعل الروحاني الذي ، بالمجمل ، يتبنونه في بقية حياتهم .‏

غير أنه فقط يختلف عنه باحتوائه على خصائص وصفية : وهي ظانه ربما أقل نفعية , وأكثر إفراطاً ولا تتبعه نتائج شاقة .ولكن في نهاية الأمر إن الموضوع الذي يتناوله الفن ، من حيث أنه يشغل قدرات الأكثرية تطلق اسم فن على مجموعة الوسائل التي من خلالها يمكن الاتصال مع أشياء إنسانية مهمة . فهي بقدر ما تعكس المظاهر الفنية المحض والمظاهر غير الواقعية والخيالية بقدر ما تتقبلها بحيث لا تعترض تلقيها للصور والتحولات الإنسانية . فحالما تسيطر المواد الجمالية المحض على العمل الفني ، تفقد الأكثرية القدرة على فهم قصة ماريا وخوان ، وهكذا يدخل الجمهور في حالة من الاضطراب ويجهل ما يفعل أمام المشهد ، الكتاب أو اللوحة. إن ذلك طبيعي جداً .ذلك أنه يجهل أي فعل آخر أمام المواضيع غير التطبيق ، أي الفعل الذي يدفعنا إلى الشغف وإلى التدخل عاطفياً فيها . إن العمل الفني الذي لا يمهد للجمهور الطريق لهذا التدخل يتركه من دون فعل .، من دون دور ».‏

وبالإضافة إلى هذه الدراسة ألحق المترجم العلوني بالكتاب مقالتين لـ إي غاسيت في الشأن الجمالي هما مقالة في الجمالية التي كتبها الفيلسوف الإسباني كمقدمة لديوان شعري وآدم في الجنة التي تتناول تجربة الرسام الإسباني زولوواغا.‏

وكتب إي غاسيت مقالة في الجمالية كمقدمة لديوان العابر للشاعر مورينو فيا وفيها يقدم رؤيته لماهية التجربة الشعرية فالشاعر يجعل الأشياء تدخل في دوامات مضطربة وكأنها تتراقص بشكل عفوي وهي بخضوعها إلى هذه القوة الديناميكية تأخذ معنى جديدا وهنا يوجه إي غاسيت نقده اللاذع إلى راسكن الذي أعطى للفن تأويلاً إنكليزياً للأشياء يقوم على إعادتها إلى مجرد أشياء أليفة واعتيادية بينما تهدف كل استعارة إلى اكتشاف قانون من قوانين الوجود وهذا هو الشيء الجديد المكتسب لأن مساحات الجمال تبدأ فقط عند نهايات العالم الواقعي.‏

في حين أن مقالة آدم في الجنة تتحدث عن فن الرسم وعن تجربة زولوواغا الذي نلمح وراء ضربات ريشته حياة داخلية وطاقة ليست مستمدة من أي شيء بل إنها تولد في اللوحة وتعيش فيها فقط فالفنون بحسب إي غاسيت هي الحواس النبيلة التي يعبر من خلالها الإنسان عن نفسه بطريقة لا يمكن أن يعبر عنها بصيغة أخرى.‏

يقول صاحب ما الفلسفة: لقد كتب على مشكلة الفن الخاصة أن تكون مستحيلة الحل غير أنه على الرغم من استحالة حلها يحاول الإنسان الإحاطة بها واحتواءها مفرقاً مظاهرها المختلفة ويكون كل فن جزئي خاص تعبيراً عن مظهر من مظاهر المشكلة العامة فالفن يبحث وينتج مجموعا كلياً وهميا شيئا وهميا كمثل اللانهاية وأن ترسم شيئاً في لوحة هو أن تهب هذا الشيء شروط الحياة الأبدية.‏

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *