تركيا على أبواب صيف حار!!

تركيا على أبواب صيف حار!!

بالتأكيد يمكن لشرارة صغيرة أن تُحدِثَ حريقاً كبيراً ،فالشرارة الصغيرة التي أحدثتها مجموعة صغيرة من الشبان المتظاهرين من دعاة حماية البيئة والذين نظّموا اعتصاماً سلمياً في حديقة (GEZI) في اسطنبول

احتجاجاً على التدمير المبرمج لإحدى المساحات الخضراء المتبقية في وسط المدينة ،هذه الشرارة أشعلت حريقاً سياسياً ضخماً .إن تدمير الحديقة والمركز الثقافي الواقعين في ساحة تقسيم ليُقام مكانهما مركز تجاري كبير ليس جزءاً من مخطط حضري لتطوير المدينة كما أعلنت الحكومة ، بل جزءاً من لعبة كبيرة يلعبها حزب العدالة والتنمية الحاكم وقيادته الفاسدة بالتعاون مع الليبرالية الجديدة .‏

لقد فرضت الأحداث الأخيرة في تركيا على الفئة الحاكمة وعلى نائب رئيس الوزراء التراجع النسبي عن المشروع وذلك في محاولة للالتفاف على المطالب الشعبية وللتخلص من الانتفاضة العارمة للشارع التركي !،فيما صرّح رئيس بلدية اسطنبول بأنه سيُعاد النظر بالمشروع !! (هذا الأخير يملك سلسلة متاجر في أرقى أحياء المدينة كما أنه من المستفيدين من المشروع المثير للجدل !! فضلاً عن أن صهر رئيس الوزراء أردوغان هو من يملك عقد تنفيذ المشروع الضخم !!).‏

في ساحة ( تقسيم ) فُتحت صفحة سياسية جديدة في التاريخ التركي ، هناك ،الصورة تذكّرنا بميدان التحرير في القاهرة قبل عامين ،عشرات الآلاف من المتظاهرين المعتصمين وأُلوف أخرى عبرت جسر البوسفور ،قادمة من الجانب الآسيوي من المدينة وهي تقرع الأواني المنزلية ،مخالفة القانون الذي يحظّر عبور الجسر من قبل المشاة ،هذا المشهد تكرر في أزمير وفي اسكشير وموغلا وبولو وأضنة وفي كل المدن التركية وحتى في معاقل حزب العدالة والتنمية مثل أنقرة وقونية .بين المتظاهرين تواجد الصحفيون والفنانون وكذلك كبار المسؤولين في حزب الشعب الجمهوري المعارض.القمع والعنف اللذان استخدمتهما قوات الأمن التركية لتفريق المتظاهرين إضافة لاستخدام الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه والفلفل كل ذلك أدى إلى وقوع قتلى وأكثر من 5000 جريح ومثلهم من المعتقلين.‏

إزاء هذا التصعيد والتمادي من جانب الشرطة التركية في تصديها للمعتصمين لم تعد مطالب المتظاهرين تقتصر على التراجع عن المشروع الكارثة بل تعدتها للمطالبة بسقوط الديكتاتور وإجراء انتخابات مبكرة .وهنا هدد أردوغان المتظاهرين واتهمهم باللصوص وبالإرهابيين المرتبطين بقوى هدفها تشويه صورة حزب العدالة قبل انتخابات 2015 ،وتفاخر رئيس الحكومة التركية بقدرته على حشد أكثر من مليون من أنصاره في الشوارع‏

وسائل الإعلام التركية بدت جبانة بعض الشيء تجاه المشهد العظيم وهذا ليس مستغرباً في تركيا عندما نعلم أن هذا البلد تنعدم فيه الحرّيات كما أنه أكبر سجن للصحفيين في العالم !! ومع ذلك تجرأت صحيفة (زمان)التي تشكّل جزءاً من الحركة الإسلامية المعتدلة على انتقاد سلوك الفئة الحاكمة مع إبداء القلق من السلطات اللامحدودة لرئيس الوزراء أردوغان ،وعبّرت كذلك عن تعاطفها مع المتظاهرين الأتراك. .‏

إن الاحتجاجات في الشارع التركي ليست فقط ذات خلفية اجتماعية أو ثقافية أو بيئية بل هي أيضاً ذات جذور سياسية خارجية ،صحيحٌ أن المشروع العملاق هو صورة حقيقية لفساد قيادة حزب العدالة والتنمية وهذا المشروع سيقضي على حديقة خضراء بأشجارها وسيزيل مركزاً ثقافياً وسيبني جسراً ثالثاً على مضيق البوسفور ( 2,6مليار دولار) لكنها أيضاً انعكاس لـ11 عاماً من الاستقرار السياسي المزيف،المتصف بالضبابية السياسية والدينية ,وبخاصة سياسة صم الآذان تجاه أراء الشعب التركي الذي يرفض مطلقاً الدعم اللوجستي من بلدهم للمسلحين في سورية, وهي أيضاً نتيجة للفوز بثلاث دورات انتخابية لممثلي حزب العدالة والتنمية !!؟ إضافة للحساسيات والخلافات المتأصلة بين قيادة الحزب من جهة والمؤسسة العسكرية وكذلك مؤسسة القضاءمن جهة أخرى !.‏

خلال انتخابات 2011 ،بدأ أردوغان حملته الانتخابية بوضع حجر الأساس لمشروعه المجنون ( شق قناة بطول 50 كم بين بحر مرمرة والبحر الأسود بكلفة 20 مليار دولار )والذي سينتهي في العام 2023أي الذكرى المئوية لقيام الجمهورية التركية ،وسيتم المشروع توازياً مع بناء مطار ثالث في المدينة .ويرى حزب العدالة والتنمية أن سياسته في التنمية الحضرية هي سياسة طموحة ويحاول أن يسوّق ذلك بأنه سيجعل تركيا جسراً بين الحضارات .وقد عمدت حكومة حزب العدالة والتنمية إلى تعويض المتضررين من هذه المشاريع العملاقة بمبالغ ضخمة لكسب أصواتهم في الانتخابات القادمة في عام 2015 .‏

إن هاجس أردوغان وزمرته هو السيطرة على اسطنبول التي تمثل 85 مقعداً من مقاعد البرلمان الـ550 (بينما لأنقرة وحدها 31 مقعداً فقط ) ، كما أن 50 % من الصادرات التركية مصدرها اسطنبول العاصمة الاقتصادية في تركيا .ويسعى أردوغان كذلك إلى الاستفادة القصوى من عملية السلام الشهيرة مع الأكراد من أجل جني مزيدٍ من الأصوات في الاستفتاء الدستوري القادم .‏

منذ عامين ،صرخ أردوغان وهو يرى الملايين من المصريين تطالب برحيل مبارك :يجب على مبارك أن يسمع لشعبه وأن يستجيب لمطالبه!!ومارس نفس العمل مع السوريين !! واليوم ترد عليه دمشق وتحذره بسعادة أن يجب عليك ان تستمع لشعبك وأن ترحل ….ولكن كيف ستكون ردة فعله إن دعت سورية لعقد مؤتمرٍ لأصدقاء تركيا ؟!!‏

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *