الجليل في الفن لكل الأزمنة..

الجليل في الفن لكل الأزمنة..

يسعى الموسيقي العربي المعاصر بالرغم من الحصار الخانق حول لغته الموسيقية العالية ،إلى تحقيق مقولة «لونجينوس «التي يؤكد فيها على أن الرفعة والعظمة الحقيقية في الفن تبهج الناس جميعا في كل العصور .

لكن كيف لهذا الموسيقي أن يتبنى هذه المقولة الخالدة وسط هذا الخراب والبؤس الروحي والقيمي الذي يهيمن على المتلقي العربي الذي بات محروما من تذوق وتلمس مناخات الابداع في هذا الفن بفعل تمدد الروح التجارية ومفهوم السلعة والتسليع وبالتالي الابتعاد عن تحقيق هذه المقولة النبيلة التي هي بالمحصلة نتاج الذهنية الفلسفية القديمة التي أحاطت هذا الفن بسياج أخلاقي وتربوي كما لحظته الفلسفة الإغريقية وبحوثها المستفيضة في هذا المجال.‏

ولعل الموسيقي العربي المعاصر نال ما يكفيه من تهميش وإلغاء وتعتيم على مشروعه الذي يحتاج بالتأكيد الى منصات إعلامية ونقدية تدافع عن مناخاته الروحية ولغته المائزة المقترنة بمفردات التعبير والتصوير الوجداني ،التي تبقى الأمل الباقي في مواجهة حمى الاستهلاك وإعلاء الصورة العابرة مكان الكلمة وقدسيتها، في مسعى لتبني لغة مغايرة هي بشكل أو بآخر سليلة العولمة وايديولوجيتها المسمومة التي تحمل السم في الدسم عبر السعي الى تسهيل الوصول الى شركات الإنتاج والإعلان والإعلام حيث يتم اعتناق هذه اللغة الفقيرة ابداعيا وجماليا في مشهد بات يئن تحت وطأة الزائل وليس الراسخ كما يسعى إليه هذا الموسيقي الذي نجح بالرغم من كل هذا الحصار في فرض حضوره وبصمته في كثير من مسارات المشهد الموسيقي العربي المعاصر ،وهي مسارات تفرض رؤاها في خلق واقع موسيقي مغاير يمكن له إن توافرت له الرعاية والمناخ النظيف ، مواجهة ومحاربة الرداءة والسطحية التي تكتسح المشهد الموسيقي المعاصر وبالتالي خلق حالة من التوازن بما يمنح المتلقي القدرة على الانتخاب مابين الرديء والتجاري ومابين الرفعة والرقي في الضفة المقابلة ،ومن هنا نكرر الدعوة الى توفير هذه المناخات الراقية من مكانات إعلامية وإنتاجية ونقدية في سبيل تظهير وتثمير هذا المشروع الموسيقي النبيل ،بما يعيد الألق والعطاء للحياة الموسيقية العربية التي فقدت الكثير من روحها الابداعية خاصة بعد رحيل الرواد المؤسسين لنهضتها الحداثية السامقة ،سواء مع سيد درويش والقصبجي ومحمد عبد الوهاب أم مع الرحابنة ومدرسة بغداد للعود وصولا الى إغناءات الكبار في الكتابة الموسيقية العربية المبنية على صيغ غربية في الكتابة والممارسة وهو ما يتابعه الآن مجموعة كبيرة من الأسماء المبدعة في الوطن العربي التي هي بحاجة ماسة الى الوقوف معها روحيا ووجدانيا والالتفاف حول مشروعها الموسيقي النبيل الذي وحده ملاذنا وأملنا في مواجهة هذه النكبات الغنائية سليلة حضارة البلاستيك والفن المعلب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *