حكايــــة شـــجرة كســـتناء..اســـــــمها اســـــطنبول ..

حكايــــة شـــجرة كســـتناء..اســـــــمها اســـــطنبول ..


في الخامس من هذا الشهر نشرت أسبوعية «النيويوركر» الأميركية هذه المقالة القصيرة لأورهان باموك عن احتجاجات ميدان تقسيم، والتي حملت عنوان: «ذكريات عن ساحة عامة شهيرة».

يقول باموك في مقالته: «بهدف إدراك (أفضل) بشأن الاحتجاجات في ساحة تقسيم، في اسطنبول، ولفهم أولئك الناس الشجعان الذين خرجوا إلى الشارع، يقاتلون الشرطة، ويختنقون بقنابل الغاز المسيِّل للدموع، أودّ أن أُسهم بقصة شخصية. في كتاب مذكراتي «اسطنبول»، كتبت عن الكيفية التي كان يجب على عائلتي كلها أن تحيا بها في شقق تألف منها مجمَّع باموق للشقق، في نيسانتاسي. قبالة هذه البناية، انتصبت شجرة كستناء، تلك التي ما تزال هناك بحمد الله. في العام 1957، قرر المجلس البلدي قطع الشجرة بهدف توسيع الشارع. لقد تجاهل البيروقراطيون الجريئون ورجال الحكومة المستبدون الجيرةَ المقاوِمَة. عندما جاء الوقت الذي كان ينبغي على الشجرة فيه أن تكون قد قُطِعت، قضت العائلة النهار كلّه والليلَ كذلك خارج البيوت في الشارع، متولّين حمايتها. بهذه الطريقة، لم نَحْمِ شجرتنا فحسب، بل أيضا خلقنا ذاكرتنا المشتركة، تلك الذاكرة التي ما تزال العائلة كلها تنظر إليها بسعادة، والتي توحِّدُنا جميعا معاً.‏

اليوم، ساحة تقسيم هي شجرة كستناء اسطنبول. لقد عشت في اسطنبول لستين سنة، ومن غير الممكن لي أن أتخيّل أن هناك ساكناً واحداً في المدينة وليست لديه ذكرى واحدة على الأقل تتصل بساحة تقسيم. في الثلاثينات من القرن الماضي، احتوت ثكنات المدفعية القديمة، التي تريد الحكومة الآن أنْ تحوّلها إلى مجمّع للتسوق، على ستاد صغير لكرة القدم كان يستضيف المباريات الرسمية. وكان نادي تقسيم جازينو الشهير ينتصب في ركن من حديقة جيزي، هو النادي الذي كان مركزاً لحياة اسطنبول الليلية في الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي. لاحقا، قُوِّضَتْ البنايات، وقُطعت الأشجار، وغُرست أشجار أخرى مكانها وصفّ من المحال التجارية في حين كانت قد ارتفعت صالة عرض اسطنبول للفنون التشكيلية الشهيرة جداً على طول أحد جوانب الحديقة. في ستينات القرن الماضي، حلمت بأن أكون رساماً وأن أعرض لوحاتي في صالة العرض هذه. وكان ميدان تقسيم في السبعينات بيت الاحتفالات الحماسية في اليوم العالمي للعمال، التي كانت تُقاد من قبل أكثر الاتحادات الشعبية يسارية ومن قبل المنظمات غير الحكومية؛ ولوقت من الأوقات كنت أشارك في تلك التجمعات. (في العام 1977، وفي إثر تدفُّق من العنف الغاضب الذي أعقبته فوضى، قُتل اثنان وأربعون شخصاً). في شبابي، ارتقبْتُ بفضول وسعادة كلّص أنماط الأحزاب السياسية الجناح اليميني والجناج اليساري، والقوميين، والاجتماعيين، والاجتماعيين الديمقراطيين، والمحافظين وقد احتشدت جموعها في تقسيم.‏

في هذه السنة، حظرت الحكومة الاحتفالات باليوم العالمي للعمال في الساحة. ومثلما حدث لثكنات المدفعية القديمة، عرف كل شخص في اسطنبول بأنهم، في آخر الأمر، ماضون نحو إقامة مجمّعٍ للتسوق في الفراغ الأخضر الأخير الذي تبقى في مركز المدينة. إن خلق تحوّلات ذات معنى، بالنسبة لساحةٍ وحديقةٍ هما مهْدَ ذكريات الملايين دون استشارة اسطنبول أولاً، كان قبراً حفرته خطأُ حكومة أردوغان. (بات سجّل تركيا في حقوق الإنسان أسوأ مما كان عليه قبل عشرة أعوام). لكن ذلك يملؤني أملاً وثقة بأنني سوف أرى ناس اسطنبول وهم لا يتخلون عن حقّهم في مظاهرات سياسية مستمرة في ساحة تقسيم أو سوف لن يتخلوا عن ذكرياتهم دون مقاومة.».‏

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *