التاريخ على صفحة المرآة .. أريدُ أن أسترْجِعَ العُمْرَ الذي خَبّأتُهُ داخِلِ المرايا..

التاريخ على صفحة المرآة .. أريدُ أن أسترْجِعَ العُمْرَ الذي خَبّأتُهُ داخِلِ المرايا..

إن أقدم مرآة وصلت إلينا كانت من مصر الفرعونية وتعود إلى الألف الثاني قبل الميلاد، وهي محفوظة اليوم في متحف القاهرة. والغريب أن تاريخ صنع هذه المرآة يتزامن مع ولادة أسطورة نرسيس.

فهل هي مصادفة أن تولد المرآة مع ولادة فردية الإنسان واهتمامه بنفسه فور خروجه من عتمة ما قبل التاريخ؟ ألا يصح القول هنا: إن نظرة نرسيس إلى المياه – المرآة كانت أول فعل اكتشاف الإنسان لنفسه؟‏

المصريون، الإغريق، الفينيقيون، الأتروسكيون، الرومان.. استعملوا المرايا كأدوات منزلية وللزينة. لكن مرايا الماضي كانت تختلف عن تلك التي نستخدمها اليوم. فقد كانت صغيرة الحجم تصنع يدوياً على شكل أسطوانات أو أقراص محدّبة قليلاً. وكانت إحدى صفحتي القرص تصقل صقلاً شديداً كي تعكس الصورة بشكل طبيعي وواضح. كما أن ثمنها كان باهظاً؛ لأنها كانت تصنع من المعادن الثمينة كالبرونز والفضة والذهب. ولم تظهر المرايا كبيرة الحجم التي تظهر الجسم كاملاً إلا في القرن الأول بعد الميلاد. أما استخدام الزجاج المطلي بالصهارة المعدنية فلم يبدأ إلا في أواخر القرن الثاني عشر الميلادي.‏

مرآتي … يا مرآتي الجميلة‏

المرآة رفيقة المرأة، في البيت وفي السيارة وفي حقيبة اليد، بل في كل مكان ترى فيه المرأة وجهها حتى ولو كان سطحاً صقيلاً.‏

تطول وقفتها قبالة المرآة. تنظر إلى جمالها ومحاسنها.. تسرّح شعرها.. تتأمل هندامها وزينتها، وقد قيل في بعض الأمثال: المرآة روح المرأة كما السيف روح المحارب.‏

وإذا ما كانت المرآة تعكس مظهر المرأة الخارجي، فهل هي تعكس أيضاً شخصيتها الداخلية؟! لنر.. وسنجد أنفسنا نُقرّ بصحّة جوانب عديدة من هذه الاعتقادات.‏

يُقال: إن صاحبة الشخصية المبتسمة هي التي تبتسم كلّما نظرت في المرآة؛ ذلك لأنها تكون راضية عن نفسها، بشوشة، محبّة للآخرين وصديقة لِمن حَوْلها.‏

أما المرأة التي تُطيل النظر في المرآة وتتأمل عينيها ووجهها بعناية شديدة، فهي صاحبة شخصية تأمّلية، تحاول أن تجد أجوبة عن تساؤلاتها وحيرتها من خلال نظراتها المتمعّنة في عينيها.‏

وصاحبة الشخصية المُتشائمة هي التي، عندما تنظر في المرآة، ترى كل شيء إلاَّ نفسها، حتى جمالها لا تراه. إذ تظن أن المرآة لا تعكس إلاَّ ما هو قبيح.‏

والمرأة الحالمة هي التي تُطيل النظر في المرآة وكأنها شاشة سحرية تريد أن ترى فيها كل ما كانت تتمناه في الماضي، وكل الحاضر حولها، وما تحلم به أو تريد تحقيقه في المستقبل.‏

هذا، بعكس تلك التي تتجنّب النظر إلى المرآة، وتُشيح بوجهها عنها إذا تَصادف وجودها قبالتها، فهذه المرأة هي صاحبة شخصية رافضة، غير اجتماعية، لا تهتم كثيراً للمظهر الخارجي، وإنّما يهمّها الموضوع والجوهر.‏

ويُقال أيضاً: إن صاحبة الشخصية الحزينة العاطفية، هي التي تقف بصمت أمام المرآة، وتركّز النظر إلى العينين لتُجسّد حُزنها برؤية الدموع تنهمر منهما، وقد تكون الرغبة في البكاء هي سبب وقوفها أمام المرآة.‏

وهناك نساء لا يستطعن منع أنفسهن من النظر إلى أي مرآة تُقابلهن، أو حتى إلى أي سطح زجاجي أو سطح عاكس. فمثل هذه المرأة تتمتع بشخصية حساسة تهتم بمتابعة أحدث خطوط الموضة، وعادة ما تكون ممن يمارسْن الرياضة فهي تحب المحافظة على رشاقتها، وتميل إلى التنسيق والديكور، وتحب الملابس والعطور.‏

وربما أفضل تسمية لصاحبة هذه الشخصية هي عاشقة المرآة .‏

يقول أحد خبراء التجميل إنه لا يمكن تحديد علاقة المرأة بالمرآة بمواصفات ثابتة. فهي علاقة متغيّرة تبعاً للمزاجات البيولوجية والحالات النفسية.‏

أما الإكثار من التطلع إلى المرآة فقد يوجد في نفس المرأة ما هو غير الرضا عن الذات، خاصةً إذا تمتعت بسماتها التي خصها بها الخالق، وسعت إلى مقارنتها بالصورة المتخيلة التي نسجتها لنفسها في ذهنها.‏

فهذا ما دفع ويدفع نساء عديدات إلى الإكثار من العمليات الجراحية التجميلية التي أفقدتهن جمالهن الطبيعي. فبتنا نرى وجوهاً مركبة متشابهة، لا تنسجم مع حقيقية الشخصية.‏

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *