الانتقال من اليأس إلى الأمل ..

الانتقال من اليأس إلى الأمل ..

في خضم المعركة السياسية الهادفة لتحقيق السلام بين إسرائيل والفلسطينيين نجد في الجانبين من يقف بإصرار دون توجس لمواجهة قوى الكراهية والغضب والخوف والسخرية والتيئيس،

تلك القوى التي تحمل في الطرفين ذات المواصفات، لكن ما يثير القلق والريبة هو ما نشهده من سيطرة لأصحاب اللاءات والمشككين والذين ما انفكوا يستخدمون لغة الإنذار والتهديد لأسباب واهية يدعون بأنها تمثل حقائق ذات مصداقية ويربطونها ببعضها لتشكل في النتيجة مبررات وأعذار تمكن كل طرف من الادعاء بأنه هو من يرغب بالسلام بينما الطرف الآخر ينأى بنفسه عنه.‏

إن ما نشهده من هدوء نسبي يعطي الانطباع بأن الوضع القائم يتسم بالعقلانية ويحظى بالقبول، لكن بتقديرنا إن هذا الهدوء لن يستمر طويلا إذ أنه في هذا الصراع مازالت ذات الأسلحة والوسائل التي استخدمت في العقود الماضية والتي لم ينجم عنها سوى الخسارة لكلا الطرفين تستخدم حتى الآن وقد آن الوقت لأصحاب اللاءات والسوداويين للالتقاء مع أولئك الذين يبذرون الأمل في النفوس وأثبتوا من خلال العمل براعتهم في التفاوض بغية التوصل إلى اتفاق ويستطيعون قطع وعود لتحقيق السلام والأمان لشعب يقطن في هذه البقعة من الأرض الواقعة بين النهر والبحر.‏

وفي الحين الذي ما انفك به المتشائمون ينشرون الإحباط في المجتمع يلاحظ بأن ثمة تغييرات قد بدأت تأخذ مسارها على أرض الواقع حيث لوحظ أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو قد عمد إلى تجميد البناء الاستيطاني خارج الكتل التي يعتقد بأنها ستضم إلى إسرائيل في إطار حدود يتفق عليها مع الفلسطينيين. وبذلك فإن نتنياهو قد سبق بقراره الضغوط التي يتوقع أن تمارسها الولايات المتحدة والتي تقوم على ضرورة التفكير والتخطيط الجديان بترسيم الحدود بين إسرائيل وفلسطين الأمر الذي يعد الخطوة الأولى نحو تطبيق حل الدولتين.‏

يأمل وزير الخارجية الأميركية جون كيري بالحصول على إجابات محددة من الطرفين بشأن أسئلة جوهرية طلب الإجابة عليها الأمر الذي يمكنه عبرها من التلويح بحزمة من المقايضات التي ستشكل أساساً لمعاهدة السلام، لذلك نجد أن الجانب الفلسطيني قد انصرف لاجراء مشاورات داخلية بغية تحديد موقفه من تلك التساؤلات التي سيحاول كيري مقارنتها مع المواقف الإسرائيلية، وثمة احتمال بأنه سيتم التعاطي مع القضايا الرئيسة والشروط المسبقة التي وضعت كشرط أساس للبدء بالمفاوضات والقضايا التي يمكن وضعها على طاولة المفاوضات بديلاً عما دأب عليه الطرفان من تقديم للأعذار بهدف تجنب إجراء المحادثات.‏

في الحين الذي أخذت به هذه العملية تسير قدماً إلى الأمام يتعين على كلا القائدين الشروع بالتفكير فيما يمكن اتخاذه من إجراءات تنعكس بشكل إيجابي على الرأي العام لديه الأمر الذي سيوفر المساندة والدعم من أجل قبول الاتفاقية التي تنطوي على مزايا وفوائد جمة للطرفين لكنها أيضا ستشمل تنازلات ملموسة يقدمها كل جانب بشأن بعض القضايا.‏

وبدلا من الإصرار على رفض إجراء أي تغيير في خارطة البناء في يهودا والسامرة، يتعين على نتنياهو أن يعلن للشعب بأنه يعمل على ترسيم حدود دائمة لدولة إسرائيل وإنهاء وضع الحدود المؤقتة التي استمرت منذ ولادة الدولة في عام 1948، ولا ريب بأن المواطنين الإسرائيليين سينتابهم شعوراً بالأمن والأمان عند العلم بأن الدولة الفلسطينية المجاورة لهم ستكون دولة منزوعة السلاح وستتخذ إجراءات أمنية مشددة وتقدم الضمانات اللازمة كي لا تصبح قاعدة لأي هجوم إرهابي على دولة إسرائيل.‏

يتعين على عباس بعد التوصل إلى اتفاق ينتهي بموجبه الاحتلال مخاطبة الشعب الفلسطيني بأن لزاماً عليه تحمل مسؤولياته في بناء الدولة والانتقال من مرحلة الألم والكوارث واللجوء إلى مرحلة التجديد والإعمار.‏

كما ويستطيع عباس الالتفات إلى الشعب الفلسطيني في غزة ودعوته للمشاركة في حلم إقامة دولة مستقلة ذات سيادة عبر إبعاد أصحاب اللاءات عن السلطة وإعادة توحيد البيت الفلسطيني من أجل السلام للفلسطينيين والإسرائيليين معاً.‏

إن ما نقوله الآن ليس مجرد أحلام لأن العمل من أجل تحقيق السلام ينبغي أن يكون جاداً ودؤوباً ويتطلب اتخاذ الكثير من الإجراءات الصارمة لصنعه وإن التوصل لاتفاقيات لوضع صيغة السلام ليست سوى خطوة أولى. أما التطبيق فسيستغرق عدة سنوات يحددها واقع الأداء الإيجابي لكلا الجانبين والتعهد الكامل بالقيام بالالتزامات المنصوص عنها في المعاهدات الموقعة.‏

لا شك بأننا سنكون بحاجة لمراقبين ومحققين لمراقبة تنفيذ الالتزامات والتعهدات وتكليفهم بالمساعدة في حل النزاعات التي قد تنشأ من تطبيق تلك التعهدات.‏

يجب التبصر بالمخاطر المتوقعة والعمل على معالجة أثارها في كلا الجانبين لأننا ببساطة لا نستطيع أن نسامح أنفسنا في حالة الفشل مرة أخرى في هذه العملية التي أخذت الكثير من الوقت للتوصل إلى نتائج ملموسة وعندما تبدأ عملية التطبيق فإنه يتعين على كلا الجانبين اتخاذ خطوات فعالة كدليل على جديتهما واستعدادهما ليكونا شريكان مسؤولان على قدم المساواة.‏

على إسرائيل اتخاذ الاجراءات اللازمة للإفراج عن 123 سجينا تم اعتقالهم لارتكابهم جرائم قبل بدء عملية أوسلو التي جرت قبل أكثر من 20 عاما الأمر الذي يعطي مؤشرا للشعب الفلسطيني الذي يعتبر تلك القضية إحدى بنود سلم أولوياته، علما بأن مثل تلك الخطوة تعتبر من أفضل السبل لإطلاق سراح المعتقلين بدلا من أعمال خطف جنود أو مواطنين إسرائيليين للمبادلة عليهم.‏

يتعين على عباس القيام بإعطاء البرهان عن التزامه بالسلام عبر مجابهته التحريض ولغة الكراهية القائمة داخل معسكره وبذل الجهود لإحداث تغيير في تلك اللهجة.‏

لقد حان الوقت لانحسار دور المتشائمين والرافضين والبدء بزرع أمل جديد لكن التحدي الكبير الذي يجابهنا هو الكيفية التي يتسنى بها للتفاؤل والأمل تجاوز العوائق في التوصل للهدف المنشود الأمر الذي يقع في مسؤولية القادة الذين يتعين عليهم توخي الحيطة والحذر في التفاوض بالعمل على التخطيط الدقيق والعقلانية لأنه من المحتمل أن لا تكون ثمة فرصة أخرى لتحقيق السلام.‏

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *