مذاهبٌ في السياسة أم سياسة الحروب المذهبية؟ …

مذاهبٌ في السياسة أم سياسة الحروب المذهبية؟ …

مذاهبٌ في السياسة أم سياسة الحروب المذهبية؟

شؤون سياسية
الخميس 27-6-2013
 بقلم الدكتور فايز عز الدين

قد يكون للموقع الجغرافي على هذا الكوكب الأرضي بعض الميزات الجيواستراتيجية ما يجعله فيها محور التطلع الإقليمي، أوالدولي لعدة أسباب؛

وهذا الحال من الطبيعي ألا يتم تجاهله عند الذين يعملون في فنِّ وعلمِ إدارة الدول، والمجتمعات. ولقد رأينا عبر التاريخ كيف أن طرق التجارة البرية، أوالبحرية قد منحت هذه البقعة من الأرض، أوهذا البحر وذاك، الأهميات المتناسبة مع مرور المصالح الوطنية، وعبورها الذي يوفّر الأمن الجيو اقتصادي، ومن ثم يوفر مطالب النمو واستحضار القوة اللازمين لكل وطنٍ أوشعبٍ أودولة.‏

وربما كانت هذه المسألة من أكبر الدوافع لظهور مفهوم الاستعمار، وأعلى أشكاله الظاهرة الإمبريالية ولاسيما بعد أن ظهرت الصهيونية بأنواعها في الربع الأخير من القرن الثامن عشر الميلادي. ويبقى من غريب الحال أن علماء المجتمع والسياسة لا يتناولون التحديات التي تواجه بلادهم من عِللها الأولى، ومن مستهدفاتها الأساسية، وما إلى ذلك من أثر على صراع المفاهيم، أوصراع الثقافات، أوصراع الحضارات. ونحن نُؤمِنُ بأن فكرة التنافس، والتجادل، وصراع المصالح لا بد أن تورّث في كل مفصل تحوّلي من مفاصل التاريخ تفترضه نسبة التقدم الحاصلة في القوة بتجلياتها المتعددة صداماتٍ، وخصوماتٍ، وعداوةً بالنهاية في سبيل الوصول إلى المصالح المتقررة عند هّذا الطرف أوذاك، ويكون وراءها مشروع احتلالي، استغلالي للثروات التي هي في محرق الاستهداف، وفي رأس كل المطامع.‏

وهل كان تاريخ البشر على أرضنا العربية الممتدة من العراق إلى موريتانيا إلا المَثَلَ الحي على هذا الذي استعرضناه؟ حيث كانوا يعرفون أهمية ما يشغلونه على أرض بلادهم من موقع، وما فيه من ثروات، وخيرات، ومجال تجارة وصناعة رابحة وهو مطمح لكل غازٍ متغطرس بقوته. وكانوا يواجهون التحدي في كل زمان، ومكان على أرضهم ووطنهم. وبناء عليه فإن الخبرات التاريخية للصراع ضد المستعمر من المفترض أن تتمظهر في بلادنا العربية أكثر من غيرها من بلاد أخرى.‏

وكم عاشت الناس التي عاصرت حوادث التاريخ صراع المفاهيم والإرادات، وقاومتها، أوتمَّ احتلالها بناء على نتائجها. ويكاد يكون تاريخ العرب منذ سقوط الدولة الإسلامية العربية في 1258م حتى اليوم هو تاريخ الصراع المتواصل مع الاستعمار الإمبريالي بتجلياته، واستهدافاته المختلفة. وما جمعته الأجيال المتعاقبة من خبرات من المفترض أن تكون بوصلتهُ في العقل العربي لا تخطئ التأويل، والتحليل، وتركيب المواقف المطلوبة. أما أن نجد العقل العربي وكأنه لم يخزّن شيئاً من خبرات تاريخه حتى يفيد من عدم تكرار الحدث الاستعماري بأشكاله، وصوره التي عُرفت فإن الموقف والحالة هذه يستدعي المزيد من لحظات التأمل والتبصّرِ. ويثور في وجهنا السؤال هل نتّهم أمتنا بالّلاعقل، أوباللّاحكمة، أوباللّاعزم؟ وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم. ومآل ما نذهب إليه يحيلنا إلى وقفة عقلية راشدة تُفصح عن طبيعتنا وذهنية التصور الذاتي، والموضوعي التي نمتلكها، أوتكتنفنا بإرادات خارجة عن قدراتنا. ومدار الإحالة الواجبة يضعنا أمام إعادة النظر في مذاهبنا في السياسة، والتفريق بين متلازمات هذه القضية، وبين المشاريع المذهبية التي يعمل عليها عدوُّنا من كل اتجاه، وفي كل أسلوب غاشم. فالتحديات التي تواجهنا كما يحدّدها لنا عدوّنا الأمروصهيوأوروبي ليست الظاهرة الاحتلالية لأرضنا في فلسطين، والأردن، وسورية، ولبنان، وليست من المشروع الصهيوني الاحتلالي الاستيطاني، التهويدي، العنصري بل هي من قيام الشيعة فينا بتبنّي فكرة المقاومة من أجل تحرير الأرض، وعدم الإذعان للشروط الصهيوأميركية والاستسلام، وتوقيع صكوك التنازل عن الحقوق التاريخية، والقبول بالاندراج في الخارطة الجديدة الكانتونية المرسومة لبلادنا.‏

وهذا يستوجب جعل الدين الذي نؤمن به ينقسم، ويصطرع بمذاهبه. والقوميةِ أوالعروبةِ التي تمسّكنا بها يجب أن نهجرها لأنها عاملُ تجميعٍ، وتقويةٍ، وتمسك بالثوابت، وخلقٍ للإرادة الصلبة في مواجهة أي عدوان. إذاً؛ لقد تقرّر لنا نحن العربَ -باسم فئة منا مسلمةٍ مثلنا- أن نفهم بأن «إسرائيل» ليست عدوّنا التاريخي؛ بل عدوّنا مَنْ يعمل على تحريرنا منها. وأن فلسطين والأراضي العربية لا توجد تحت سيطرة الغاصب الصهيوني، بل الذي يغتصبها هو الخطر الإيراني القادم من الشيعة والتشيّع. وأن «إسرائيل» عاملُ تخليصٍ لنا من مذاهبنا السياسية التي تعكس مشاريعنا، ورؤانا الوحدوية لكي ندخل في سياسات الحروب المذهبية. ولم يعد مقبولاً فينا عالمٌ سُنّي يتحدث عن الإسلام الربّاني السمح ، كما لا يجوز أن يبقى بيننا عالمٌ شيعي ينطلق من وحدة المذاهب الإسلامية، ووحدة الدين والتديّن بالطرق المختلفة إلى الله. ويجب ألا تتعايش الأديان على أرضنا، والمسيحيون يجب أن يُهجّروا. وكلُّ فكرةٍ جامعةٍ بيننا تُصبح ضرراً في المجال الحيوي للمشروع الصهيوني، وإضراراً به غيرُ مسموح لنا بها. وقد تحدّدت مهماتنا بالربيع الذي لن يترك ورقةً خضراء واحدة على شجرتنا، وعلى العرب أن يُرغموا على تعرية شجرتهم من كل خضرة وثمار.‏

والتاريخ اليوم ليس بوسعنا أن نمسك بزمام سيرورته لأنهم قد وضعوا قيادات تسير فيه إلى الاتجاه الذي يحددونه لها. نعم هذا هو المحدّد لعمل النظام الرسمي العربي من قبل الدوائر الأمروصهيو أوروبية، ومنه نرى أن خطورة مشاريع الحبشة على الأمن المائي للمصريين يجب ألا يُنظر إليها بأنها أخطر من وجود العالِم الشيعي حسن شحاتة على قيد الحياة في مصر. وحالة الإصرار السوري على رفض منطق التبعية وتصفية الحقوق التاريخية للعرب يجب أن تتحول إلى أكبر مشكلات التابعين العرب ليقوم مرسي بقطع العلاقات مع سورية.‏

وكذلك لبنان المقاوم الذي امتلك من القوة ما هزم به «إسرائيل» مرتين هو الخطر الداهم على العرب والمطلوب تدمير لبنان وتدمير الجبهة المعروفة للمقاومة. و»إسرائيل» جاهزة لأن توفر السلاح، والمال، والدعم اللوجستي للمكلّفين هذا الأمر وهذا ليس عيباً، فالمعيب هو أن تبقى الروح العربية أصيلة كما كانت في تاريخها، وفيها عناد الكرامة. فلا مذاهب سياسية مقبولة لنا نحن العرب اليوم، بل المقبول الوحيد لنا هو سياسات الحروب الطائفية، والدينية حتى نموت جميعاً، ويتخلّصُ الحلف الصهيوأميركي من الفوائض البشرية التي تُسمّى العرب.فإذا كان أعداؤنا هكذا يفكرون ويعملون ضدنا، فهل سيكون الحل عند العرب أن يبقوا رهناً ما يريده أعداؤهم منهم أم في الأمر مذهبٌ آخر يجب أن يظهر الآن وقبل كُلِّ آن.‏

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *