العراق.. مليون قتيل وأربعة ملايين مهجّر وتدمير ممنهج لمؤسسات الدولة والكذبة «أسلحة الدمار الشامل»..

العراق.. مليون قتيل وأربعة ملايين مهجّر وتدمير ممنهج لمؤسسات الدولة والكذبة «أسلحة الدمار الشامل»..

تسع سنوات من الغزو للعراق ومليون قتيل والحجة «أسلحة تخلق الولايات المتحدة دائماً ذرائع واهية لخوض حروبها الهادفة الى السيطرة على منابع النفط أو المواقع الجيوستراتيجية في العالم من أجل الهيمنة السياسية ومصادرة قرارات الدول التي تقع في دائرة استهدافاتها،

وقد شهدت إطلالة القرن الحادي والعشرين، انطلاقة سلسلة جديدة من حروبها، باندفاع أججه ضرب برجي التجارة العالمي في أيلول 2001، حيث أعلنتها واشنطن حرباً ضد الإرهاب، ولكن هدفها الحقيقي تقليص دور الشعوب والأمم والمجتمعات ومنظماتهم وحقوقهم في الحرية والكرامة والتعبير بوسائل متنوعة ودعاوى أو مزاعم متعددة معلنة وغير معلنة أغلبها لا يمثل الحقيقة، وذلك على أيدي بعض الزمر المتعصبة من رجال السياسة والدين والاقتصاد وتجار الحروب في أميركا الجديدة.‏

كانت حرب الولايات المتحدة على العراق نتيجة أهميته وموارده وموقعه الإقليمي, وخصوصاً النفطي, إضافة إلى الجيش العراقي الذي يشكل تهديداً لأمن إسرائيل، بدأت أميركا بالتحضير لهذه الحرب بحملات دعائية واسعة وبجولات سياسية عسكرية, يساعدها في ذلك طوني بلير رئيس وزراء بريطانيا الذي تحول للعب دور المبعوث الخاص للرئيس بوش الى روسيا والدول الأوروبية والعربية، وبدأت تقارير المعاهد الاستراتيجية بتضخيم الخطر العراقي, واستخدمت الحكومة البريطانية تقارير منظمات حقوق الانسان بشكل سياسي لخدمة الغرض الأميركي بتبرير الغزو، وأخذت الصحف الأميركية والبريطانية بالكلام عن الديمقراطية وحقوق الإنسان وتحرير الشعب العراقي من الاضطهاد والتسلط الذي يعاني منهما.‏

قدمت الإدارة الأميركية مجموعة من التبريرات لإقناع الرأي العام الأميركي والعالمي بشرعية غزو العراق:‏

أولاً: بحجة استمرار حكومة الرئيس العراقي السابق صدام حسين في عدم تطبيقها لقرارات الأمم المتحدة المتعلقة بالسماح للجان التفتيش عن الأسلحة بمزاولة أعمالها في العراق، علماً أن الولايات المتحدة الأميركية وضعت موعداً نهائياً لبدء العمليات العسكرية بينما كانت فرق التفتيش لازالت تقوم بأعمالها في العراق.‏

ثانياً: بذريعة استمرار بتصنيع وامتلاك «أسلحة دمار شامل» وعدم تعاون القيادة العراقية في تطبيق 19 قراراً للأمم المتحدة بشأن إعطاء بيانات كاملة عن ترسانتها من «أسلحة الدمار الشامل»، من الجدير بالذكر أنه لم يتم العثور على أية أسلحة من هذا النوع ونتائج مفتشي الأسلحة أكدت عدم امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل نهائياً.‏

ثالثاً: بادعاء امتلاك حكومة الرئيس السابق صدام حسين لعلاقات مع تنظيم القاعدة ومنظمات «إرهابية» أخرى تشكل خطراً على أمن واستقرار العالم وهو إدعاء لم يثبت بأي دليل لاستحالة وجود قواسم فكرية وعقائدية تجمع القاعدة بنظام الحكم العراقي العلماني.‏

رابعاً: أكذوبة نشر الأفكار الديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط ولو بالقوة العسكرية وتغيير أنظمة الحكم الرسمية للدول، ونتائجها كانت مجاعات وجرائم وإرهاب وسجونها بالعراق «أبو غريب» أكبر دليل على ديمقراطيتهم.‏

ذريعة امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل «السلاح النووي» كان من أبرز وأهم التبريرات التي حاولت الإدارة الأميركية وعلى لسان وزير خارجيتها كولن باول ترويجها في الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وقد صرح كبير مفتشي الأسلحة في العراق هانز بليكس قبل وقوع الغزو أن فريقه لم يعثر على أسلحة نووية وكيماوية وبيولوجية ولكنه عثر على صواريخ تفوق مداها عن المدى المقرر في قرار الأمم المتحدة «150كم» المرقم 687 في عام 1991 وكان العراق يطلق على هذه الصواريخ اسم صواريخ الصمود، وقد وافق صدام بمحاولة منه لتفادي الصراع بتدميرها من قبل فريق هانز بليكس.‏

عملية غزو العراق بدأت في 20 آذار 2003 وقد تسببت هذه الحرب بأكبر خسائر بشرية في المدنيين في تاريخ العراق وتاريخ الجيش الأميركي في عدة عقود، حيث تقدر كلفة غزو واحتلال العراق بحوالي مليون مواطن عراقي حياتهم نتيجة المذابح الإرهابية الأميركية، كما أشارت دراسة مسحية أجرتها مجلة لانسيت الطبية البريطانية المرموقة إلى أن 655000 عراقي قتلوا منذ بداية الغزو الأميركي وحتى 11 تشرين الثاني 2006، وأكدت الأمم المتحدة أن نحو 34000 عراقي قتلوا خلال عام 2006 فقط، وانتهت الحرب رسمياً في 15 كانون الأول 2011 بإنزال العلم الأميركي في بغداد وغادر آخر جندي أميركي العراق في 18 كانون الأول.‏

الغزو الأميركي للعراق كان حدثاً مأساوياً وتداعياته لم تقتصر على العراق والمنطقة، بل امتدت إلى الولايات المتحدة نفسها، ومنها إلى العالم بأسره، الذي تصاعدت فيه الدعوات إلى دفن المرحلة “الأحادية القطب” والاستعداد لبروز قوى جديدة على حساب واشنطن، كما خلقت واقعاً اقتصادياً ألقى بثقله على البنية الاقتصادية الأميركية، فقد أنفقت واشنطن قرابة 850 مليار دولار بشكل مباشر على العمليات العسكرية، لكن الخبير الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل جوزيف ستيغليتز شكك في هذه الأرقام وقدرها بـ “حرب الثلاثة ترليونات دولار” وأشار إلى التكاليف الإضافية التي ستواصل أميركا دفعها لسنوات طويلة.‏

بعد سقوط بغداد قام الرئيس الأميركي بإرسال فريق تفتيش برئاسة ديفد كي الذي كتب تقريراً سلمه في 3 تشرين الأول 2003 ذكر فيه أنه: “لم يتم العثور على أي أثر لأسلحة دمار شامل عراقية” وأضاف ديفد كي في استجواب له امام مجلس الشيوخ الأميركي أن “بتصوري نحن جعلنا الوضع في العراق أخطر مما كان عليه قبل الحرب”، وفي سابقة هي نادرة الحدوث أن ينتقد رئيس أميركي سابق رئيسا أميركياً حالياً قال بيل كلنتون في مقابلة له نشرت في مجلة تايمز أنه كان من الأفضل التريُّث في بدء الحملة العسكرية لحين إكمال فريق هانز بليكس لمهامه في العراق، ولكن جورج بوش قال في 2 آب 2004 “حتى لو كنت أعرف قبل الحرب ما أعرفه الآن من عدم وجود أسلحة محظورة في العراق فإني كنت سأقوم بدخول العراق”.‏

هذه صورة أميركا الحقيقية التي تدعي أنها حاملة راية العدالة والحرية وحقوق الإنسان تحارب ما تسميه إرهاباً والحقيقة هو أعمال مقاومة مشروعة لتحرير الأرض والإنسان أو الدفاع عن الحقوق الوطنية أو القومية لأي شعب، بينما تقوم هي بإرهاب واحتلال وغزو وتسميه نشر ديمقراطية ومحاربة إرهاب وأمن قومي، فإذا كانت أميركا راغبة حقاً في وقف الإرهاب، فهي بحاجة أولاً إلى وقف إرهابها تجاه العالم.‏‏‏

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *